كُتاب الرأي

على أكتاف الوالدين

على أكتاف الوالدين

بقلم: بكري عساس

في دروب الحياة، نمضي إلى الأمام ونحسب أن خطانا من صنع أقدامنا وحدها، ثم نلتفت ذات يوم فنكتشف أن وراء كل خطوة ناجحة يدًا أمسكت بنا حين تعثرنا، وقلبًا دعا لنا حين غفلنا، وعينًا سهرت من أجل أن نصل. وتلك هي الأسرة؛ المرفأ الأول الذي نعود إليه، والمدرسة التي نتعلم فيها معنى الحب والعطاء، والظل الذي يستظل به الإنسان في بدايات عمره.

لا شك أن حياة الإنسان تقوم، في جانب كبير منها، على أكتاف الوالدين، ثم الأهل والأقارب بصفة عامة؛ ففضل الوالدين على الأبناء عظيم لا تحده الكلمات، وفضل الأهل من الأجداد والأعمام والعمات والأخوال والخالات لا يمكن إنكاره. وحين نستعيد شريط سنواتنا الماضية، ونتأمل كل ما مررنا به حتى بلغنا ما نحن عليه اليوم، سنجد وراء كل خطوة صورة من صور العطاء والتعب والتضحية التي بذلها الوالدان والأهل من أجلنا.

فالأم تبذل من أجل أبنائها كل غالٍ ونفيس، وتتحمل المشقة والسهر والقلق، ولا تدخر جهدًا في سبيل أن تراهم في أحسن حال. وقد حفظ التاريخ نماذج خالدة للأمومة والتضحية؛ ومن أشهرها قصة أم الإمام أحمد بن حنبل، التي عرفت بصبرها وحرصها على تربية ابنها وتعليمه، حتى صار أحد كبار أئمة المسلمين. ومهما اختلفت تفاصيل الروايات حول حياتها، فإن صورتها بقيت مثالًا لما يمكن أن تصنعه أم مؤمنة بعلم ابنها ومستقبله.

والأب بدوره سند تستند إليه الأسرة، ومثال يتعلم الأبناء منه المسؤولية والاستقامة والاعتماد على النفس. يخرج إلى عمله كل يوم، ويواصل سعيه دون كلل أو ملل، ليؤمن لأبنائه حاجاتهم، وقد يحرم نفسه أحيانًا مما يحب حتى يوفر لهم ما يحتاجون إليه. ومن النماذج التاريخية اللافتة أبو طالب، الذي وقف إلى جانب ابن أخيه النبي محمد ﷺ في بدايات الدعوة، وتحمل معه الأذى والضغوط، وظل مدافعًا عنه وحاميًا له.

ولا يقتصر هذا الفضل على الوالدين؛ فكثير من أفراد العائلة يتركون في حياتنا أثرًا لا يمحوه الزمن. ومن الشواهد التاريخية ما عرف عن كثير من العلماء والأدباء من فضل أسرهم في رعايتهم وتشجيعهم على طلب العلم. فالإنسان لا ينمو وحده، وإنما تنمو معه بيئة تمنحه الأمان، وتغرس فيه القيم، وتفتح أمامه أبواب الأمل.

إن الإنسان حين يكبر قد ينشغل بالحياة، وينسى أن وراء ما وصل إليه قلوبًا سهرت، وأيديَ تعبت، وأرواحًا دعت له في الغيب. ولذلك فإن الوفاء للوالدين والأهل ليس كلمات تقال في المناسبات، وإنما سلوك يرى في البر، والرحمة، والسؤال، وحسن المعاملة، ورد الجميل.

وفي نهاية المطاف، قد نغادر بيوت طفولتنا، وتتسع بنا الطرق، وتتغير الوجوه والأيام، لكن يبقى في أعماقنا بيت لا يرحل، وقلوب لا تغيب. فالوالدان ليسا مجرد صفحة في كتاب العمر؛ إنهما الحروف الأولى التي كتبنا بها حكايتنا، والأكتاف التي حملت أحلامنا قبل أن نعرف كيف نحملها بأنفسنا. وما أجمل أن يدرك الإنسان فضلهما قبل أن يصبح الحنين هو الوسيلة الوحيدة للوصول إليهما، وأن يجعل من برهما شكرًا عمليًا لنعم الحياة، ومن الدعاء لهما وفاءً لا ينقطع.

كاتب رأي 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.