أسرار «البُرْدَة»

أسرار «البُرْدَة»
التي ألهمت شعراء المديح النبوي لأكثر من ألف عام
بقلم: بكري معتوق عساس
ليست بعض القصائد مجرد كلماتٍ تنتظم في أبيات، ثم تمضي مع الأيام؛ بل قد تتحول إلى ذاكرة حيّة، تتناقلها الأجيال، وتتعاقب على إنشادها الأصوات، وتظل حاضرة في القلوب مهما تبدلت الأزمنة. ومن بين هذه القصائد التي تجاوزت حدود الشعر إلى رحاب الوجدان الإسلامي قصيدة «البُرْدَة»، التي ارتبط اسمها بقصتين شهيرتين، وتحوّلت عبر القرون إلى واحد من أشهر نصوص المديح النبوي في العالم الإسلامي.
تخيل أن تستمع إلى عملٍ إنشادي حديث تمتد مدته إلى نحو ساعة ونصف، ويتكوّن من عشرات الأبيات من الشعر العربي الفصيح، لا في الغزل ولا في وصف البطولات، وإنما في مدح النبي محمد ﷺ. قد يبدو الأمر غريباً في زمن الأغنية القصيرة، لكنه يكشف عن قوة نص استطاع أن يعبر أكثر من سبعة قرون، ويظل حاضراً في مجالس الإنشاد والذكر، من مصر إلى جنوب أفريقيا وإندونيسيا، ومن المخطوطات القديمة في المكتبات الإسلامية إلى تسجيلات المنشدين المعاصرين.
وقد وصف الدكتور صابر حسني، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى بمشيخة الأزهر، هذا الحضور بقوله إن اسم «البُرْدَة» ظل حاضراً في الثقافة الإسلامية على نحو نادر، مشيراً إلى امتدادها من مجالس الإنشاد إلى حلقات الذكر، ومن المخطوطات العثمانية إلى الأداء المعاصر. لكن ما سر هذا النص الذي كُتب قبل أكثر من سبعة قرون، بينما يعود اسم «البُرْدَة» في أصله إلى قصة أقدم بأكثر من ألف عام؟
البُرْدَة الأولى
تروي كتب السيرة قصة كعب بن زهير بن أبي سُلمى، أحد أبرز شعراء الجاهلية، والمنحدر من أسرة عريقة في الشعر، لم تخلُ من شاعرٍ أو شاعرة. وكان أبوه، زهير بن أبي سُلمى، من أشهر شعراء العرب، حتى وُصف بأنه من أشعر أهل الجاهلية.
وكان لشعر كعب تأثير واسع في الحجاز، غير أن موقفه من الإسلام والنبي محمد ﷺ اتخذ منحىً عدائياً؛ فقد نظم شعراً في الهجاء والتحريض، حتى أهدر النبي ﷺ دمه، وفق ما ترويه كتب السيرة. ثم جاءه أخوه بُجَير ناصحاً إياه بالقدوم إلى النبي ﷺ والاعتذار، وأخبره أن من جاءه تائباً لا يُقتل، وإلا فعليه أن يفرّ كما فرّ بعض شعراء مكة الذين استخدموا شعرهم في التحريض على المسلمين.
عندها قصد كعب بن زهير المدينة، ودخل على النبي ﷺ، فوضع يده في يده، وتحدث عن نفسه بصفة الغائب، حتى استوثق من الأمان. فلما اطمأن إلى عفوه، كشف عن هويته، ثم أنشد قصيدته الشهيرة التي عُرفت لاحقاً باسم «بانت سعاد»، وكانت في نحو ستين بيتاً، يستهلها بقوله:
«بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ
متيمٌ إثرها لم يُفَدْ مكبولُ»
ثم انتقل كعب من وصف محبوبته ورحلة القصيدة إلى الاعتذار ومدح النبي ﷺ، حتى بلغ من صدق التوبة وحسن الإنشاد مبلغاً جعل قصيدته خالدة في كتب الأدب والسيرة. وتروي الرواية المشهورة أن النبي ﷺ أكرمه ببُردته، فغلبت هذه الحادثة على اسم القصيدة في الذاكرة الإسلامية، وأصبح «البُرْدَة» اسماً ارتبط بقصيدة كعب، ثم انتقل بعد ذلك، في سياق تاريخي وأدبي مختلف، إلى قصيدة الإمام البوصيري التي ستصبح أشهر قصائد المديح النبوي على الإطلاق.
وهكذا بدأت حكاية «البُرْدَة» من لحظةٍ إنسانية تختصر معنى التوبة والعفو، ثم امتدت عبر القرون لتصبح جسراً بين الشعر والسيرة والإنشاد والذاكرة. ولعل سر خلودها لا يكمن في جمال ألفاظها وحده، بل في قدرتها على أن تجعل من القصيدة حدثاً، ومن الحدث ذاكرة، ومن الذاكرة تراثاً لا يزال صوته يتردد في أرجاء العالم الإسلامي. ومن هنا تبدأ الحكاية الأوسع: حكاية «البُرْدَة» التي كتبها الإمام البوصيري، فاستحقت أن تعيش أكثر من عمر صاحبها، وأن تلهم أجيالاً متعاقبة من شعراء المديح والمنشدين.
كاتب رأي
