ما وراء النفط… وما بعده

ما وراء النفط… وما بعده
بقلم: بكري عساس
شدَّني وأنا أتصفح أحد أعداد مجلة الفيصل الثقافية ملفٌّ بعنوان «ما وراء النفط»، وهو عنوان يثير سؤالًا كبيرًا: ماذا بعد المورد الذي غيَّر وجه المنطقة؟ وقد عرضت المجلة هذا الموضوع بأسلوب عميق، مستعرضةً أثر النفط في نهضة دول الخليج وتحولاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
لا يختلف اثنان على أن النفط كان نعمةً عظيمةً وهبةً من الله، فقد أسهم في بناء المدن الحديثة، وإنشاء الجامعات والمستشفيات وشبكات الطرق والمطارات، ورفع مستوى المعيشة، وتحويل مجتمعات الخليج في عقود قليلة إلى نماذج تنموية بارزة.
غير أن النفط – مهما بلغت أهميته – يظل ثروةً ناضبة، فهو مورد غير متجدد تكوَّن عبر ملايين السنين، وتؤكد الدراسات الاقتصادية والجيولوجية أن الاحتياطيات النفطية لها عمر إنتاجي محدود، كما أن العالم يتجه تدريجيًا إلى مصادر الطاقة المتجددة، والتوسع في استخدام الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين، إضافة إلى تطور السيارات الكهربائية وتقنيات كفاءة الطاقة.
ولهذا فإن الدول الحكيمة لا تبني مستقبلها على مورد واحد، بل تستثمر عائداته في بناء الإنسان، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز التعليم والبحث العلمي والابتكار. فالثروة الحقيقية ليست في باطن الأرض، وإنما في العقول القادرة على صناعة المستقبل.
وقد أدركت المملكة العربية السعودية هذه الحقيقة مبكرًا، فجاءت رؤية المملكة 2030 لتقود مرحلة التحول الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل، والاستثمار في الصناعة والسياحة والتقنية والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة، حتى يصبح النفط وسيلةً لبناء اقتصاد مستدام، لا غايةً في ذاته.
ويبقى السؤال الثقافي الذي طرحته مجلة الفيصل جديرًا بالتأمل: لماذا حضر النفط بقوة في الاقتصاد، بينما كان حضوره في الأدب والفنون محدودًا؟ لقد غيَّر النفط حياة الإنسان الخليجي، ومنح المنطقة فرصًا تاريخية للنهوض، ومن الطبيعي أن يجد مكانه في الرواية والشعر والفنون بوصفه جزءًا من الذاكرة والتحول الحضاري.
إن النفط مرحلة مشرقة في تاريخنا، لكنه ليس نهاية الطريق. فالأمم التي تدوم هي التي تحسن استثمار ثرواتها المؤقتة في بناء ثروات دائمة، وأعظم تلك الثروات الإنسان، والعلم، والمعرفة، والقدرة على الابتكار.
كاتب رأي
