كُتاب الرأي

من قطرة ماء إلى سراج العلم

من قطرة ماء إلى سراج العلم

بكري بن معتوق عساس

ليست البدايات المتعثرة حكمًا على النهايات، ولا تقاس قيمة الإنسان بما كان عليه في أول الطريق، وإنما بما يصنعه من عزيمة حين يطول الطريق وتثقل الخطى. وهذه قصة رجل بدأ حدادًا، ثم قاده طموحه إلى رحاب العلم، حتى صار واحدًا من أعلام العربية والبلاغة. إنها قصة سراج الدين السكاكي، وفيها درس خالد: قد يتأخر الوصول، لكن من صدق في السعي لا يضيّع الله تعبه.

كان يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي الخوارزمي، الملقب بسراج الدين السكاكي، صاحب كتاب «مفتاح العلوم»، الذي جمع فيه اثني عشر علمًا من علوم العربية، مع أنه لم يكن عربيًا.

بدأ السكاكي حياته حدادًا، فصنع بيده محبرة صغيرة من الحديد، وأحكم لها قفلًا عجيبًا، حتى لم يزد وزنها مع قفلها على قيراط واحد. فأهداها إلى ملك زمانه، فلما رآها الملك وأهل مجلسه أثنوا على الرجل وصنعته، غير أن السكاكي لاحظ أن الملك قام احترامًا لرجل آخر دخل المجلس، وأجلسه في موضعه، فسأل عنه، فقيل له: «إنه من جملة العلماء».

عندها تحرك في نفسه طموح جديد، وقال في قرارة نفسه: لو كنت من أهل العلم، لكان ذلك أبلغ في نيل الفضل والشرف والقبول. فخرج من ساعته إلى المدرسة لطلب العلم، وكان قد بلغ ثلاثين عامًا.

قال له المدرس: «لعلك في سن لا ينفعك فيها التعلم، وأرى ذهنك لا يساعدك على التحصيل، فلا بد من امتحانك». ثم أخذ يعلمه مسألة من مسائل الفقه على مذهب الشافعي، وكرر عليه عبارة: «قال الشيخ: جلد الكلب يطهر بالدباغة». فلما جاءه من الغد وطلب منه أن يذكر ما حفظه، قال السكاكي: «قال الكلب: جلد الشيخ يطهر بالدباغة!». فضحك منه الحاضرون، ثم واصل الأستاذ تعليمه.

وهكذا مضت عشرة أعوام أخرى في عناء التحصيل، حتى يئس السكاكي من نفسه، وضاق صدره، فخرج إلى البراري والجبال. وبينما كان يتردد يومًا في أحد شعاب الجبال، وقع بصره على قطرات ماء تتساقط من علو على صخرة صماء، وقد ترك تتابع القطرات أثرًا واضحًا فيها، حتى أحدث فيها ثقبًا.

تأمل السكاكي ذلك المشهد طويلًا، ثم قال لنفسه: «ليس قلبك بأقسى من هذه الحجرة، ولا خاطرك أصلب منها، حتى لا يتأثر بالتحصيل». وكانت تلك اللحظة نقطة التحول في حياته؛ فعاد إلى المدرسة بعزيمة لا تلين، وأقبل على العلم إقبال من عرف سر الطريق، وصمم على بلوغ غايته، حتى فتح الله عليه أبواب العلوم والمعارف، وحاز مكانة رفيعة بين العلماء.

وهكذا تعلّمنا قصة السكاكي أن العلم لا يسأل طالبَه عن عمره، ولا يفتح أبوابه لمن لم يتعثر، بل لمن ينهض كلما عثر. فكما استطاعت قطرات الماء، بمواظبتها، أن تنحت الصخر الصلد، تستطيع الهمة الصادقة أن تنحت في النفس طريقًا إلى المجد. وما يراه الناس اليوم ثمرةً ناضجة، قد يكون وراءه أعوام طويلة من الصبر، والمحاولات، والانكسارات التي صنعت إنسانًا جديدًا. لذلك، لا تيأس من بطء خطاك؛ فرب قطرة متواضعة تصنع، مع دوامها، أثرًا لا تصنعه ضربة واحدة.

كاتب رأي

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.