كُتاب الرأي

خمسة وعشرون عامًا بعد 11 سبتمبر

خمسة وعشرون عامًا بعد 11 سبتمبر

هل ما زلنا نعيش عالم 1979؟

بقلم: عبدالعزيز الموسى

بعد خمسة وعشرين عامًا على الحادي عشر من سبتمبر 2001، لم يعد السؤال المهم هو ماذا حدث في ذلك اليوم فقط، بل ماذا فعل ذلك اليوم بالعالم، وماذا كشف عن مسار كان قد بدأ قبل سنوات طويلة. فالأحداث الكبرى لا تبدأ لحظة وقوعها؛ إنها تصل إلى لحظة الانفجار بعد أن تتراكم أفكار وصراعات وتحولات لا تظهر دائمًا في المشهد.

ومن هذه الزاوية تبدو أحداث 11 سبتمبر أقل انفصالًا عن عام 1979 مما توحي به الذاكرة. ففي ذلك العام اجتمعت، على نحو غير مسبوق، تحولات أعادت الدين إلى قلب السياسة والصراع الدولي: الثورة الإيرانية ووصول الخميني للسلطة، واحتلال الجماعة السلفية المحتسبة للحرم المكي، والغزو السوفييتي لأفغانستان والجهاد الأفغاني. لم تكن هذه الأحداث متطابقة، ولا خرجت من سبب واحد، لكنها أسهمت في إعادة تشكيل المجال الإسلامي، ورفعت من شأن الأيديولوجيا الدينية، وفتحت المجال أمام مشاريع تتجاوز الدولة الوطنية.

كانت أفغانستان الحلقة التي نقلت هذا التحول إلى فضاء عابر للحدود. فقد اجتمع فيها مقاتلون من بلدان مختلفة، وتشكلت شبكات وخبرات عسكرية وفكرية، ونشأ تصور يرى أن الجهاد يمكن أن يكون مشروعًا عالميًا لا قضية محلية. وبعد انتهاء الحرب السوفييتية لم تختفِ هذه الشبكات؛ بل بحث بعضها عن ساحات جديدة وخصوم جدد. وفي هذا السياق تشكل تنظيم القاعدة، ثم انتقل خطابه تدريجيًا من مقاومة الاحتلال إلى استهداف النظام الدولي نفسه.

لذلك لا يصح القول إن 1979 «أنتج» 11 سبتمبر بصورة مباشرة، لكن يصح القول إن 1979 كان نقطة انعطاف في المسار الذي مر عبر أفغانستان والتسعينيات وانتهى إلى إحدى أكثر لحظاته تطرفًا في 11 سبتمبر. كان الأول إعادة إدخال الأيديولوجيا الدينية بقوة إلى السياسة الدولية، وكانت الثانية لحظة تحول ذلك الصراع إلى صدمة عالمية.

ومن هنا يمكن فهم العبارة الأكثر دقة: 11 سبتمبر لم تغيّر القاعدة بقدر ما غيّرت طريقة العالم في النظر إلى القاعدة.

فالتنظيم كان موجودًا قبل الهجمات، وأفكاره وأعماله معروفة، لكن بعض القراءات الغربية كانت تفسر الجماعات المتطرفة من خلال المظلومية السياسية وحدها، فتراها جماعات معارضة للأنظمة التي تقاومها. أما سبتمبر فكشف أن المسألة تتجاوز المعارضة السياسية إلى أيديولوجيا عابرة للحدود، ترى الدولة الوطنية إطارًا ضيقًا، وتمنح العنف وظيفة عقائدية.

وهنا يظهر الفرق بين المظلومية السياسية والتطرف الأيديولوجي. قد تفسر المظالم دوافع الغضب، لكنها لا تكفي لتفسير الانتقال إلى قتل المدنيين أو تحويل العنف إلى عقيدة. المظلمة تحتاج إلى أيديولوجيا كي تتحول من احتجاج على واقع إلى مشروع يريد إعادة تشكيل العالم بالقوة.

وكانت بعض الدول والمفكرين العرب يخوضون هذه المعركة قبل أن يدرك الغرب طبيعة الخطر على النحو الذي فرضته أحداث سبتمبر. لكن كثيرًا من تلك المواجهات قُرئت خارجيًا بوصفها صراعًا بين السلطة والمعارضة، بينما كان جوهرها في أحيان كثيرة صراعًا مع أفكار تتجاوز النظام السياسي إلى شرعية الدولة نفسها.

بعد الهجمات انتقل الإسلام والمسلمون إلى مركز مختلف في المخيال الغربي. لم يعد الإسلام موضوعًا معرفيًا فحسب؛ أصبح أيضًا موضوعًا أمنيًا. وهنا ظهرت الحاجة إلى تفسير جديد للعلاقة بين الإسلام والعنف والحداثة، ونمت قراءات يمكن وصف بعضها بـ «الاستشراق الجديد»، تداخل فيها البحث الأكاديمي مع أسئلة الأمن والسياسة وصناعة القرار.

في هذا السياق اكتسب برنارد لويس تأثيرًا واسعًا، بينما عادت أطروحة صموئيل هنتنغتون عن «صدام أو صراع الحضارات» إلى الواجهة بقوة. وقدمت اللحظة السياسية بيئة مثالية لقراءة الصراع باعتباره مواجهة بين حضارتين.

لكن التاريخ اللاحق كشف محدودية هذا التصور. فالمسلمون كانوا في مقدمة ضحايا الإرهاب، وكانت المجتمعات الإسلامية ساحته الأساسية، ولم يدخل العالم الإسلامي في حرب موحدة مع الغرب. كما أن المسلمين في المجتمعات الغربية لم يتحولوا إلى كتلة حضارية معادية للدول التي يعيشون فيها.

المشكلة إذن لم تكن في وجود صراعات بين الثقافات، وإنما في تحويل صراع أيديولوجي محدد إلى قدر حضاري. فالإسلام ليس تنظيمًا سياسيًا واحدًا، والغرب ليس كتلة عقائدية واحدة، والحضارات لا تتحرك كجيوش متقابلة.

والأهم أن سبتمبر لم يغير صورة المسلمين في الغرب فقط؛ بل دفع المسلمين أنفسهم إلى إعادة النظر في صورتهم عن ذواتهم. فقد أصبح السؤال مزدوجًا: كيف يواجه المسلم التطرف الذي يرفع شعارات الإسلام؟، وكيف يستعيد صورته الإنسانية والحضارية بعيدًا عن اختزال هويته في العنف؟

في هذا السياق استعادت أفكار عدد من المفكرين العرب قيمتها، لا بوصفها حلولًا جاهزة، بل بوصفها محاولات مبكرة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدين والمجتمع والدولة. فقد فتح علي عبد الرازق باب التفكير في الدولة بعيدًا عن تحويل الخلافة إلى نظام ديني ملزم، وحذر فرج فودة من توظيف المُقَدس في الصراع السياسي واحتكار الحقيقة باسم الدين. أما مالك بن نبي فنقل النقاش إلى مستوى الحضارة وشروط النهضة، فيما ركز الدكتور رضوان السيد في كتاباته على الدولة الوطنية بوصفها الإطار السياسي الذي يحفظ المجتمع من مشاريع التسييس الديني العابرة للحدود.

وهنا تتضح إحدى أهم نتائج ربع القرن الماضي: إعادة اكتشاف الدولة الوطنية، لا بوصفها مجرد حدود سياسية، وإنما بوصفها الإطار الذي يمكن للمجتمع أن يستعيد داخله قدرته على بناء مستقبله.

فالمشكلة التي كشفتها التجارب المتلاحقة لم تكن فقط أن المشاريع العابرة للحدود أخفقت في إنتاج الاستقرار؛ بل أن تحويل الدولة إلى ساحة للصراع الأيديولوجي استنزف وظيفتها الأساسية. فحين تصبح الدولة مشروعًا للقومية أو الثورة أو الإسلام السياسي أو أي أيديولوجيا شاملة، يصبح الصراع على السلطة صراعًا على معنى المجتمع نفسه. وكل طرف لا يريد أن يحكم الدولة فقط، بل يريد أن يعيد تشكيلها وفق تصوره الكامل للإنسان والمجتمع والتاريخ.

وهنا جاءت التجربة العربية لتطرح سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا يحدث حين تتوقف الدولة عن كونها ساحة لتحقيق الأيديولوجيا، وتعود إلى كونها مؤسسة لخدمة المجتمع؟

هذا السؤال هو الذي يقود، في النهاية، إلى التنمية.

فالتنمية ليست فصلًا جديدًا في القصة، ولا موضوعًا اقتصاديًا أُضيف إلى مقال عن الإرهاب والاستشراق؛ إنها إحدى النتائج البعيدة لتحول أعمق في تصور الدولة. فإذا كانت مرحلة 1979 قد دفعت المنطقة نحو سؤال «أي أيديولوجيا يجب أن تحكم؟»، فإن العقود التي تلتها، بما حملته من حروب وصراعات وانقسامات وانهيارات، دفعت نحو سؤال مختلف تمامًا: ما الذي تستطيع الدولة أن تفعله من أجل الإنسان؟

وهنا تغير معيار النجاح السياسي نفسه.

لم تعد الدولة القوية هي التي تستطيع تعبئة الجماهير خلف خطاب عقائدي، أو خوض صراع طويل مع خصومها، وإنما الدولة التي تستطيع أن توفر الأمن، وتبني المؤسسات، وتنتج المعرفة، وتخلق فرص العمل، وتنويع الاقتصاد، وتستثمر في الإنسان، وتمنحه القدرة على المشاركة في صناعة مستقبله.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الانتقال العربي من هاجس الأيديولوجيا إلى هاجس التنمية بوصفه تحولًا تاريخيًا في الأولويات، لا مجرد تحول في السياسات الاقتصادية. فقد استهلكت الأيديولوجيات خلال عقود طويلة قدرًا هائلًا من الطاقة الاجتماعية في أسئلة الهوية والشرعية والصراع على السلطة، بينما بقيت أسئلة التعليم والإنتاج والمعرفة والتقنية وبناء المؤسسات في مرتبة أدنى.

ثم جاءت التجارب القاسية لتكشف المفارقة: يمكن للأيديولوجيا أن تمنح المجتمع شعورًا قويًا بالمعنى، لكنها لا تبني مدرسة، ولا تخلق اقتصادًا تنافسيًا، ولا تنتج جامعة عالمية، ولا توفر وظيفة، ولا تصنع مدينة حديثة. يمكنها أن تحشد الإنسان، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني الحياة.

وهنا تبدأ التنمية في اكتساب معناها السياسي والفكري.

فهي ليست مجرد زيادة في الناتج أو تشييد للبنية التحتية، وإنما انتقال من دولة التعبئة إلى دولة الإنجاز؛ من الدولة التي تطلب من المواطن أن يؤمن بمشروعها، إلى الدولة التي تقنعه بما تنجزه؛ ومن السياسة التي تجعل المستقبل وعدًا أيديولوجيًا، إلى سياسة تجعل المستقبل مشروعًا قابلًا للقياس.

ولذلك فإن التحول نحو التنمية يمثل، في أحد أعمق مستوياته، خروجًا تدريجيًا من منطق 1979. فإذا كان ذلك العام قد مثّل عودة الأيديولوجيا الدينية إلى مركز السياسة، فإن ما نشهده اليوم في أجزاء من العالم العربي هو محاولة لإعادة ترتيب مركز الثقل: الدين يعود إلى مجاله الروحي والأخلاقي والحضاري، والدولة إلى وظيفتها المؤسسية، والمجتمع إلى إنتاج المعرفة والعمل، والمستقبل إلى كونه مشروعًا تنمويًا لا معركة أيديولوجية.

ولا يعني ذلك أن التنمية تلغي السياسة أو تحل محلها، ولا أن الفقر وحده يفسر التطرف. لكن الدولة التي تفتح للإنسان أبواب التعليم والعمل والإبداع والمشاركة، وتمنحه شعورًا بأن مستقبله يمكن أن يصنع داخل مجتمعه، تقلل من حاجة الأيديولوجيا المغلقة إلى اختطاف معنى حياته.

ومن هنا تصبح التنمية أيضًا جزءًا من معركة ما بعد 11 سبتمبر ضد التطرف، ولكن بطريقة تختلف عن الحرب الأمنية. فالأمن يمنع الفعل المتطرف، أما التنمية فتسعى إلى بناء الإنسان والمجتمع اللذين يصعب اختزالهما في ذلك الفعل. الأمن يحاصر التنظيم، بينما التعليم والمعرفة والعمل والمواطنة تحاصر البيئة الفكرية والاجتماعية التي يمكن أن تمنحه حياة جديدة.

ولهذا فإن السؤال العربي لم يعد، بعد كل هذه التجارب، مجرد سؤال «من يحكم؟»، ولا حتى «بأي أيديولوجيا نحكم؟»، وإنما أصبح بصورة متزايدة: كيف نبني دولة تجعل الإنسان قادرًا على أن يعيش وينتج ويختلف ويحلم داخلها؟

وهذه ربما تكون أهم مسافة قطعتها المنطقة منذ 1979: الانتقال من البحث عن مشروع يفسر التاريخ كله إلى البحث عن دولة تصنع المستقبل.

ومع ذلك، فإن عالم 1979 لم ينتهِ تمامًا. فما زالت آثاره حاضرة في المنطقة، وما زالت بعض الصراعات الإقليمية تحمل بصماته، وما زالت جماعات وتنظيمات تستعيد مفرداته، كما أن علاقة الدين بالسياسة والدولة لم تغلق ملفاتها نهائيًا.

والتطرف نفسه لم يختفِ؛ بل تغيرت وسيلته. فقد كان يحتاج في السابق إلى تنظيم ومعسكر ومنبر وشبكة بشرية، أما اليوم فيستطيع أن يعبر الحدود خلال ثوانٍ عبر الفضاء الرقمي. ولهذا فإن المعركة المقبلة ليست أمنية فقط، بل معرفية وتربوية وثقافية: معركة على قدرة الإنسان على التفكير النقدي، وعلى قدرة المجتمع على تقديم معنى للحياة لا يحتاج إلى صناعة عدو دائم.

وفي كل ذلك يجب ألا يغيب الإنسان. فقد خلفت السنوات التي أعقبت سبتمبر ضحايا بالملايين، ودمارًا في مدن ومجتمعات، ونزوحًا وجروحًا لم تلتئم. ومن الخطأ أن نقيس ربع قرن من التاريخ بعدد التنظيمات التي هُزمت أو قادة الإرهاب الذين قتلوا فقط. المعيار الأهم هو: هل أصبح الإنسان أكثر أمنًا وكرامة وقدرة على صناعة مستقبله؟

لقد أراد منفذو 11 سبتمبر أن يحولوا هجومهم إلى مواجهة شاملة بين الإسلام والكفر، ووجد بعض الخطاب الغربي في الجريمة مادة لإعادة إنتاج تصور الصراع الحضاري. وبين الطرفين دفع المسلمون الثمن مرتين: ضحايا للعنف، وضحايا لصورة اختزلتهم في العنف.

بعد خمسة وعشرين عامًا، تبدو 11 سبتمبر إذن لحظة مركزية في مسار أطول بدأ عام 1979، لكنه لم يتوقف عندها. وإذا كان 1979 قد أعاد الأيديولوجيا إلى قلب السياسة، فإن التجربة التي أعقبته دفعت العالم العربي تدريجيًا إلى إعادة اكتشاف الدولة، ثم إلى إعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها: ليس بوصفها حاملة لأيديولوجيا، وإنما بوصفها أداة لبناء الإنسان والمجتمع والمستقبل.

لهذا ربما يكون السؤال الحقيقي بعد ربع قرن ليس: هل انتهى عالم 1979؟

بل: هل بدأنا أخيرًا في تجاوز منطقه؟

فالخروج من عالم 1979 لا يعني نسيانه، وإنما فهمه. ولا يعني التخلي عن الدين، وإنما تحريره من الاختزال الأيديولوجي. ولا يعني الانكفاء داخل الدولة، وإنما بناء دولة قادرة على الانفتاح. ولا يعني استبدال السياسة بالاقتصاد، وإنما الانتقال من سياسة تستهلك المجتمع في الصراع إلى سياسة تجعل التنمية وسيلة لبناء قدرته.

لقد بدأت المنطقة، بدرجات متفاوتة، تتحرك من سؤال «من يملك الحقيقة؟» إلى سؤال «كيف نبني المستقبل؟». وربما تكون هذه هي الإجابة الأعمق التي يمكن أن يقدمها ربع قرن من تاريخ 11 سبتمبر: أن المستقبل لا يبنى بالأيديولوجيا وحدها، ولا بالحرب وحدها، ولا بالخوف وحده؛ وإنما بالدولة، والمعرفة، والتنمية، والإنسان.

إلى اللقاء.

كاتب رأي

 

 

عبدالعزيز الموسى

كاتب رأي وعضو التوجيه والإرشاد بالحرمين الشريفين سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.