من التروية إلى العودة

من التروية إلى العودة
كيف يعيد الحج تشكيل الإنسان؟
ليست أيام الحج الكبرى مجرد محطات زمنية متتابعة، بقدر ما تبدو – في الوعي الإسلامي –رحلةً متدرجة لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل. فالحاج لا ينتقل خلالها بين مكة المشاعر المقدسةفقط، بل يعبر حالات نفسية وروحية متعاقبة؛ منالتهيؤ، إلى الامتلاء، إلى السكينة، ثم إلى العودة إلى العالم بصورة مختلفة قليلًا عمّا كان عليه قبل الرحلة.
ويبدأ هذا التحول في يوم التروية؛ اليوم الذي يسبق الذروة الكبرى. وقد ارتبط اسمه في الذاكرة الإسلامية بالتزوّد بالماء استعدادًا لما بعده، لكن معناه الإنساني يبدو أوسع من ذلك؛ فالتروية ليست استعداد الجسد وحده، بل استعداد الروح أيضًا. ولهذا يبدو الحاج في هذا اليوم كأنه يخفف شيئًا من ضجيج العالم داخله قبل أن يدخل أكثر لحظات الحج كثافة وتأثيرًا.
وفي التاريخ الإسلامي، لم يكن الحج موسمًا للعبادة فقط، بل أحد أكبر الجسور المعرفية والحضارية في العالم الإسلامي؛ ففي طرقه التقت الشعوب والمذاهب واللغات، وتناقلت القوافل الكتب والأفكار والأسئلة بقدر ما حملت الحجاج أنفسهم. وكانت مكة، عبر قرون طويلة، مساحة نادرة يلتقي فيها العالم الإسلامي بنفسه، حتى بدت المشاعر المقدسة في كثير من الكتابات الإسلامية صورة حية لوحدة الأمة رغم اتساعها الجغرافي والثقافي.
ثم يأتي يوم عرفة بوصفه الحظة العميقة في الإنابة والانكسار والتضرع والخضوع؛ اليوم الذي أكمل الله للمسلمين دينهم وأتم عليهم نعمته، فيقف فيه الإنسان أمام نفسه أكثر من وقوفه في المكان ذاته، مع استشعار فضل الزمان وشرف المكان وعظيم المكانة. ولهذا ارتبط عرفة في الوجدان الإسلامي بالدعاء والمراجعة والرجاء، وكأن الحاج يصل في تلك الساعات إلى أكثر لحظاته صفاءً وهشاشة في الوقت نفسه. ترتفع الأيدي بلغات مختلفة، لكن الرجاء يبدو واحدًا، وربما لهذا بدت اللغة نفسها عاجزة كثيرًا عن وصف المشهد؛ ملايين البشر في مساحة واحدة، لكن كل واحد منهم يعيش حواره الداخلي الخاص.
وبعد الامتلاء العاطفي والروحي في عرفة، تأتي مزدلفة بوصفها لحظة السكينة بعد الانفعال. آلاف الحجاج يفترشون الأرض تحت السماء المفتوحة، بعد يوم طويل من الدعاء والانفعال، وكأن الحج يمنح الإنسان – ولو لساعات قليلة – فرصة نادرةليعيش بعيدًا عن تعقيد العالم. وفي الانتقال إلىمزدلفة تظهر معاني السكينة في الاتجاه إلى الله،ولا يبدو الإنسان بعيدًا عن العالم فقط، بل قريبًا مننفسه على نحو يصعب تكراره في الحياة اليومية.
ثم يأتي عيد الأضحى الذي هو يوم الحج الأكبر، بوصفه محطة بارزة مهمة في الرحلة، ويشكل انتقالها من التأمل إلى الفعل. فالحاج الذي وقف طويلًا في عرفة، وهدأ في مزدلفة، يعود الآن إلى الحركة؛ رميٌ للجمرات، وطواف حول الكعبة، وسعي بين الصفا والمروة، وذبح الهدايا والأضاحي، ولقاءاتٌ وتهانٍ مع إيمانٍ ويقين يتناميان في سكينة وخشوع. وكأن الحج يذكّر الإنسان بأن الصفاء الداخلي لا يكتمل إلا حين يتحول إلى سلوك وحركة داخل العالم.
ولعل ما تكشفه أيام الحج أن قوتها لا تقوم على إلغاء الفوارق بين البشر فحسب، بل على تنظيم هذا التنوع الإنساني الهائل داخل شعيرة واحدة؛ لغات وأعراق وثقافات متعددة تتحرك جميعًا نحو مقصد واحد دون أن تفقد خصوصياتها. وربما لهذا ظل الحج، عبر القرون، واحدًا من أكثر المشاهد الإنسانية قدرةً على إنتاج الشعور بالانتماء المشترك دون محو الاختلاف.
وفي الحج، لا يعبر الإنسان المكان وحده، بل يعبر الزمن أيضًا؛ إذ يشعر وهو يطوف أو يلبي أنه يتحرك داخل ذاكرة ممتدة عبر قرون طويلة من البشر الذين ردّدوا الكلمات نفسها وساروا في الطرق ذاتها، حتى يبدو وكأن الزمن نفسه يذوب داخل الشعيرة.
وإذا كانت كتب الرحلات القديمة قد انشغلت بمشقة الطريق إلى مكة، فإن التحولات الكبرى التي شهدتها خدمة الحج في العصر السعودي الحديث نقلت اهتمام كثير من الكتّاب والإعلاميين من الطريق إلى التجربة الإنسانية نفسها؛ إذ أصبح الوصول أيسر، بينما بقي المعنى الروحي للحج محتفظًا بقدرته العميقة على التأثير.
لكن اللحظة الأكثر إنسانية ربما تبدأ بعد انقضاء المناسك نفسها. فمع انتهاء طواف الوداع، واستعداد القوافل الحديثة للعودة، يشعر كثير من الحجاج بشيء يشبه الامتلاء الممتزج بحزن خفيف؛ إذ تنتهي الأيام التي عاشوا فيها خارج إيقاع الحياة المعتاد، ويبدأ اختبار مختلف تمامًا: ماذا سيبقى من هذه الرحلة بعد العودة؟ وكثير من الحجاج يكتشفون أن أصعب لحظات الرحلة ليست في الزحام أو التعب، بل في مغادرة مكة نفسها؛ حين يدرك الإنسان فجأة أن الأيام التي عاشها بهذه الكثافة الروحية قد انتهت وسريعًا، وأن عليه الآن أن يعود إلى حياته القديمة… لكن بروح مختلفة،وهذه إحدى علامات القبول.
وربما لا تُختبر تجربة الحج فعلًا في لحظات المشاعر وحدها، بل في الطريقة التي يعود بها الإنسان إلى حياته بعدها؛ فبعض الرحلات لا تغيّر الأماكن التي نذهب إليها، بل تغيّر الشخص الذي يعود منها. وربما لهذا لا ينتهي الحج تمامًا عند مغادرة مكة؛ إذ يبقى جزء من الرحلة معلقًا داخل الإنسان طويلًا، كأن بعض المشاعر لا تغادر أصحابها بسهولة.
إلى اللقاء.
عبدالعزيز الموسى