كُتاب الرأي

ملياردير على دباب وجنرال يصنع القهوة

ملياردير على دباب وجنرال يصنع القهوة

سلطان عيد المرشدي 

تَعود بي الذاكرة إلى سنوات خلت ، يوم كنت معلماً في إحدى المدارس الأهلية بالرياض. ولم يكن العطاء عندي يقف عند قاعات الدرس فقط ،  فمع إشراقة الإجازة الصيفية كنت أتولى إدارة النادي الخاص بالمدرسة، محاطاً بنخبة من المعلمين والمختصين الذين يجمعنا الشغف وتحدونا الرغبة في ترك أثر جميل. وقبيل إهلال موسم الحج، هاتفني أحد الزملاء الأوفياء ممن شاركوني مسيرة النادي، وعرض عليَّ مكرمة لم تكن في الحسبان: حج مبرور برفقة طيبة، ومن نختار من الرفاق، تظلنا مظلة “حملة الراجحي الخيرية”، على أن نكون في هذه الرحلة سواعد تخدم وقلوباً تتطوع. لم أتردد لوهلة ، بل بادرته بالموافقة والسرور يملأ جوارحي، واتفقنا سويا على عقد لواء الفريق الذي سيرافقنا في هذه الرحلة المباركة.

أزف الوقت، وشددنا الرحال. انطلقت بنا حافلتنا من الرياض نحو مكة المكرمة كأنها تحمل أشواقنا قبل أجسادنا. غريب أمر تلك الرحلة ! فرغم طول الطريق، لم يمسسنا لغوب، ولم يطرق التعب لنا بابا، وكأن “نصب السفر وكآبة المنظر” قد مُحيا من قاموسنا ببركة القصد. وما إن لاحت مشارف “السيل الكبير” حتى اغتسلنا من أدران الدنيا، وأحرمنا ملبين، وجمعنا النية على حج الإفراد. استشعارا لعظم المسؤولية التي تنتظرنا في خدمة المخيم.

هناك، وزعت المهام، وكان من نصيب فريقنا تنظيم المأوى وترتيب مضاجع الحجاج. لم يكن المخيم مكانا عاديا ،بل كان فندقا مصغرا يفيض روعة وإتقانا ومهيئا للراحة. وثمة مشهد استوقفني طويلا رأيت أبناء الشيخ سليمان الراجحي—عبد الوهاب ومتعب—يباشران الخدمة بأنفسهما، ويقفان على كل صغيرة وكبيرة كأنهما من عامة العاملين. وزاد المخيم بهاء وجود كوكبة من أهل العلم، أذكر منهم الشيخ الدكتور محمد بن عبد العزيز الخضيري الأستاذ المساعد بقسم الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود ،الذي أكنُّ له في قلبي حبا جما لِما رأيت فيه من تواضع جم، وخلق رضي ، وعلم غزير يتدفق كالنهر.

وفي ذات يوم، عزَمنا على توزيع طعام جاد به الشيخ سليمان على الفقراء ومحتاجي تلك البقاع الطاهرة. وحين انطلقنا، فاجأنا الشيخ محمد الخضيري  بنفسه ، إذ كان يسابق خطانا خفيفا ، يحمل موائد العشاء فوق رأسه ، ويمشي بها لمسافات طويلة بلا كلل أو ترفع! في تلك اللحظات، تآلفت قلوبنا مع الحجاج، وانصهرت أرواحنا في بوثقة الخدمة التي لا تنقطع آناء الليل وأطراف النهار.

لقد شهدنا في ذلك المخيم عجائب من نبل النفس البشري ، كان هناك رجل يلوح الصلاح على محياه، يتولى إعداد القهوة العربية والشاي وضيافة الوافدين داخل المخيم . كنتُ بادئ ذي بدء أظنه أجيراً يعمل لقاء مرتب، وكانت نفسه الطيبة المبتسمة تزيدني ظنا بأنه يرجو رزقا يضاف إلى مرتبه ولكن الأيام أماطت اللثام عن حقيقة أذهلتنا جميعا الرجل لم يكن متطوعا فحسب، بل كان يتقلد رتبة عسكرية رفيعة في أحد قطاعات الدولة، ترك بريق رتبته خلف ظهره، وجاء يرجو رتبة الشرف العظمى: خادم لضيوف الرحمن .

كان الوقت يمر كطيف عابر، يسرقه جمال المكان وتطويه روعة الزمان. وفي ذات ليلة، سرى خبر بين الخيام: الشيخ سليمان الراجحي سيزور المخيم غدا ، بتنا ليلتنا والقلوب واجفة شوقا لرؤيته. ومع خيوط الصباح الأولى، اصطف الجميع عند الأبواب، تملأهم رغبة عارمة في ترقب ذلك الموكب المهيب والحراسة التي تليق برجل ملأ الدنيا بثرائه ومؤسساته. وفجأة ! شق السكون صوت دبّاب ( دراجة نارية صغيرة) يقوده شاب في مقتبل العمر، ويردف خلفه شيخا وقورا، تعلوه سيماء السكينة والبساطة. توقف الدباب عند البوابة، فإذا بالشيخين عبد الوهاب ومتعب يتسابقان لتقبيل رأسه ويده.. إنه والدهما!

ذُهل  الجميع، وتسمر الحضور، وكأن عقارب الساعة قد توقفت لتوثق ذلك المشهد المهيب. علت الوجوه علامات الذهول والاستغراب: أهذا هو الرجل الذي تتربع تحت قدميه كنوز الأرض، يأتي راكباً خلف شاب على دراجة بسيطة؟! نعم، إنه الزهد في أبهى تجلياته، وشخصية فذّة كانها من الزمن الماضي .

تشرفنا بتقبيل رأسه، واحتوانا في جلسة أبويّة دافئة، فاضت عذوبة وهو يقص علينا شذرات من رحلة حياته، وعشقه للكفاح، مستنهضا فينا قيمة “حفظ النعمة” مهما أوتي الإنسان من مال أو جاه. مرت تلك الدقائق كأقصر لحظات العمر، ثم ودعنا ومضى بنفس الطريقة التي أتى بها، تاركا في نفوسنا أثراً لا يمحوه الزمن.

وما إن أطلت عشية عرفة، حتى استنفرت النفوس، وكنّا على أهبة الاستعداد لـ “رحلة العمر”. في تلك الليلة، جفا النوم عيون فريقنا ، بتنا نذرع المخيم جيئة وذهابا، نتفقد كل زاوية، وننظم قوافل الحجاج ، ليكون الصعود يسيراً. عشنا هيبة الموقف، وأكملنا بقية الأركان، وعدنا إلى مخيمنا بقلوب بيضاء لتقضية أيام التشريق، فكانت أياما ماتعة ، تغشاها المحبة في الله، وتجمعنا غاية واحدة: بذل الطاقة في خدمة ضيوف الرحمن، والسعادة تملأ الوجوه رغم النَّصب ،وفي آخر المطاف، حانت ساعة طواف الوداع.. ويا لَمرارته! كانت المرة الأولى التي يتجرع فيها قلبي غصّة الفراق، ونحن نودع أحبة عشنا معهم في كنف الرحمن، في أنس خالص وطهر إلهي. صعدنا حافلتنا راجعين إلى الرياض، وأجسادنا تسير في طريق ، وقلوبنا ما زالت معلقة بأستار الكعبة وبطاح منى، وبعد أيام من عودتنا، غمرتنا مكرمة جديدة ، إذ وصلتنا دعوة أنيقة من أبناء الشيخ سليمان لحضور حفل تكريم المتطوعين في الحملة في “قاعة المقصورة”، وهناك أسبغوا علينا ثناءهم، وقدموا لنا هدايا جزيلة، حملت في طياتها قيمة مادية ومعنوية غالية.

تلك هي رحلتي إلى بيت الله الحرام ، رحلةٌ حُفرت تفاصيلها في سويداء القلب، وعاشتها الروح بكل جوارحها، ورحلة مثلها لا يمكن لمثلي أن ينساها أبداً.

كاتب رأي 

المستشار سلطان عيد المرشدي

صحفي ، مؤلف ، كاتب رأي ،عضو هيئة الصحفيين السعوديين ، عضو الجمعية السعودية للارشاد النفسي بجامعة الاميرة نورة ، مرخص من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام ، حاصل على وثيقة العمل الحر كاتب من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ،كاتب بصحيفة آخر اخبار الارض ، كاتب بمنصة همسة وصل ،عضو مجتمع المواهب السعوديين ، صدر لي كتاب آصِرة وكتاب غرفة ١٧ وكتاب خلف ابواب الفصول .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.