كُتاب الرأي

الجامعات بين التحول التاريخي والارتباك المؤسسي م/ عبدالله الرخيص

الجامعات بين التحول التاريخي والارتباك المؤسسي
م/ عبدالله الرخيص

الجزء الأول (قراءة وتلخيص للمقالة )

عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز

لا تُقاس قوة الدول الحديثة بما تمتلكه من موارد اقتصادية أو قدرات تقنية وعسكرية فحسب، بل تُقاس أيضاً بقدرتها على حماية مؤسساتها المعرفية من الارتباك، وتمكين جامعاتها من أداء دورها بوصفها عقول الدولة الحية وذاكرتها الحضارية ومختبر مستقبلها. فالجامعة ليست مبنى أكاديمياً يمنح الشهادات، ولا جهازاً إدارياً لإنتاج الخريجين، بل مؤسسة كبرى تصنع الإنسان، وتنتج المعرفة، وتعيد تشكيل علاقة المجتمع بالعلم والقيم والاقتصاد والتنمية.
ومن هذا المنطلق، تمر الجامعات السعودية اليوم بمرحلة دقيقة يمكن عدّها من أكثر مراحلها حساسية منذ تأسيسها. فقد انتقلت خلال سنوات قليلة من نموذج إداري تقليدي يقوم على المركزية والاستقرار الوظيفي والتمويل الحكومي المباشر، إلى نموذج جديد يطالبها بالكفاءة، والاستدامة المالية، والتنافسية، والحوكمة، والاستقلالية المؤسسية، وربط الأداء بالنتائج. وهذا التحول في ذاته ليس مشكلة، بل ضرورة وطنية تفرضها تحولات الاقتصاد والمعرفة ومتطلبات التنمية. غير أن الإشكال الجوهري يكمن في أن سرعة التحول فاقت، في بعض جوانبها، قدرة المنظومة الجامعية على التكيف المؤسسي والثقافي والإداري.
لقد وجدت الجامعات نفسها أمام ضغط بنيوي مركب؛ فهي مطالبة بإعادة تعريف هويتها وأدوارها ونظمها الإدارية والمالية والأكاديمية، في ظل تعدد المرجعيات، وتداخل الصلاحيات، وغياب الوضوح الكامل حول حدود الاستقلالية والمسؤولية والمساءلة. لذلك لا يمكن اختزال الأزمة في قرار تنظيمي منفرد أو ملف إداري عابر، بل ينبغي النظر إليها بوصفها أزمة هيكلية تمس مستقبل الجامعة السعودية، وقدرتها على أن تكون مؤسسة عالمية تنافسية وفاعلة في بناء رأس المال البشري والمعرفي والوطني.

يتمثل أول التحديات في أزمة الحوكمة وتشتت المرجعيات والصلاحيات.
فلا يمكن لأي جامعة أن تنجح ما لم تكن خطوط السلطة والمسؤولية فيها واضحة، وما لم يُحسم بجلاء من يضع الاستراتيجية، ومن ينفذها، ومن يراقب نتائجها، ومن يتحمل مسؤوليتها. ففي التجارب الجامعية الناجحة توجد علاقة أكثر وضوحاً بين الجهة المالكة أو المنظمة، ومجلس الأمناء، والإدارة التنفيذية، والمجتمع الأكاديمي. أما في الحالة السعودية، فإن العلاقة بين وزارة التعليم، ومجلس شؤون الجامعات، ومجالس الأمناء، وإدارات الجامعات، لم تستقر بعد على نموذج عملي ناضج يحقق التوازن المطلوب بين الاستقلال والمساءلة.
وهنا يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاوزه:
هل رئيس الجامعة قائد تنفيذي يمتلك صلاحيات حقيقية لإدارة الجامعة وتحمل مسؤولياتها، أم أنه مجرد منفذ لقرارات تصدر من مستويات متعددة؟
وهل مجلس الأمناء جهة استراتيجية مستقلة وممكنة فعلاً، أم مجلس استشاري محدود الأثر؟
وما حدود تدخل الوزارة، وما حدود دور مجلس شؤون الجامعات؟
إن تحميل القيادات الجامعية مسؤولية النتائج دون منحها أدوات القرار يخلق بيئة مرتبكة، ويدفعها إلى الانشغال بإدارة التعقيدات اليومية بدلاً من قيادة التحول العلمي والابتكاري طويل المدى.

أما التحدي الثاني فيتصل باختزال وظيفة الجامعة في المنفعة الاقتصادية المباشرة.
فالجامعة لا توجد فقط لتلبية احتياجات سوق العمل الآنية، ولا لتخريج مهارات سريعة الاستهلاك، بل لصناعة الإنسان القادر على التفكير والنقد والإبداع والقيادة. وعندما تُعرّف قيمة الجامعة من خلال العائد الوظيفي المباشر وحده، فإن مجالات معرفية مهمة تصبح مهددة بالتهميش، ولا سيما العلوم الإنسانية والاجتماعية واللغات والتاريخ والفلسفة والفنون. وهذه المجالات ليست ترفاً أكاديمياً، بل هي التي تمنح التقنية معناها، والتنمية اتجاهها، والسياسات
حساسيتها الاجتماعية، والاقتصاد أخلاقه، والمجتمع ذاكرته.
إن الجامعة التي تخضع بالكامل لمنطق السوق تتحول مع الوقت إلى مؤسسة تدريبية ضيقة، والجامعة التي تُدار بمنطق إداري محض تفقد قدرتها على قيادة السوق نفسه. ولذلك فإن المطلوب ليس رفض المواءمة مع الاقتصاد أو مقاومة التغيير، بل بناء توازن معرفي يحمي الجامعة من التحول إلى خط إنتاج، ويمنحها القدرة على خدمة الاقتصاد من موقع القوة المعرفية لا من موقع التبعية. فالاقتصاد يحتاج إلى المهندس والطبيب ورائد الأعمال، لكنه يحتاج أيضاً إلى المؤرخ والفيلسوف واللغوي وعالم الاجتماع وصانع السياسات؛ لأن التنمية لا تستقيم بالمهارة الفنية وحدها، بل تحتاج إلى وعي إنساني وأخلاقي وحضاري.

ويتعلق التحدي الثالث بالاستدامة المالية وكفاءة التشغيل. فمن الطبيعي أن تعيد الجامعات النظر في نفقاتها، وبرامجها، وهياكلها، ومصادر دخلها، وأن تبحث عن موارد جديدة وترفع كفاءة الإنفاق.
غير أن الخطر يبدأ عندما تُدار الجامعة بعقلية خفض التكلفة وحدها، أو عندما تتحول الكفاءة المالية من وسيلة لتعزيز الرسالة الأكاديمية إلى فلسفة بديلة عنها. فالجامعة ليست شركة تجارية يمكن إعادة هيكلتها بقرارات مالية سريعة، بل كيان حساس ثقافياً واجتماعياً وأكاديمياً. وكل قسم أكاديمي يحمل تاريخاً وهوية ومجتمعاً علمياً وشبكة من الأساتذة والطلاب والخريجين والباحثين.
ولهذا فإن الدمج أو الإغلاق أو تقليص التخصصات ينبغي ألا يتم بمنطق مالي عاجل، بل ضمن رؤية أكاديمية واضحة، ودراسة أثر عميقة، وحوار مؤسسي واسع. فالقرارات السريعة قد تخفض التكاليف على المدى القصير، لكنها قد تخلق قلقاً داخلياً، وتضعف الروح الأكاديمية، وتدفع الكفاءات إلى المغادرة، وتحول الجامعة إلى مؤسسة تشغيلية منهكة.
أما الإصلاح الرشيد، فهو الذي يرفع كفاءة الجامعة دون أن يضعف ذاكرتها المعرفية، ويحدث برامجها دون أن يقطع صلتها برسالتها الحضارية.

ويتمثل التحدي الرابع في حاجة الجامعات إلى الاستقرار المؤسسي حتى تتمكن من قيادة التنمية المحلية، والبحث العلمي، والابتكار، وريادة الأعمال في المناطق والقطاعات الاقتصادية.
فلا يمكن لرئيس الجامعة أن يواجه في الوقت ذاته ضغوط إعادة الهيكلة، ومتطلبات الاستدامة المالية، وتحديات التحول الرقمي، ومطالب المواءمة مع سوق العمل، وإدارة الأصول، وتخطيط القبول، ثم يُطلب منه أيضاً أن يقود منظومة أكاديمية وبحثية وتنموية عالية التأثير. إن الجامعة تحتاج إلى وضوح في التوجه، واستقرار في القيادة، وأفق زمني كافٍ لكي تبني شراكاتها، وتطور برامجها، وتستثمر في مواهبها، وتقود الابتكار في محيطها المحلي.

أما التحدي الخامس فهو استمرار الإرث البيروقراطي والتحكم المركزي في بيئة يفترض أن تتجه نحو المرونة والاستقلالية والتحول الرقمي.
فالأنظمة التقنية والتشغيلية والمالية الحديثة ليست مجرد أدوات إدارية، بل هي العصب المؤسسي للجامعة. وأي فرض لنماذج موحدة أو ترتيبات تقنية ومالية لا تنسجم مع احتياجات كل جامعة قد يؤدي إلى تعطيل الابتكار وإرباك العمل الأكاديمي. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل نريد جامعات قوية تدير نفسها ضمن أطر حوكمة ومساءلة واضحة، أم جامعات تابعة وضعيفة تُدار من خارجها؟
وتظهر هذه الإشكالات بوضوح في النقاش العام الذي صاحب قرارات إعادة الهيكلة في بعض الجامعات، ومنها ما أثير حول جامعة الملك سعود.
فالقضية في جوهرها ليست مجرد إلغاء تخصص أو دمج كلية أو تحديث برنامج؛ فهذه الأدوات قد تكون مشروعة ومطلوبة إذا وضعت ضمن رؤية أكاديمية ناضجة. لكن الأزمة تبدأ عندما تتحول أدوات الإصلاح إلى مرجعيات حاكمة، وعندما يصبح القرار الإداري بديلاً عن التفكير الجامعي، وعندما تُختزل الجامعة في جهاز لإنتاج المهارات السريعة بدلاً من أن تُفهم بوصفها مؤسسة حضارية لإنتاج المعرفة وصناعة الوعي وبناء الإنسان.
إن كل جامعة عريقة تحمل داخلها طبقات من التاريخ والرمز والمعرفة والوظيفة العامة. لذلك لا يجوز أن تُقرأ قراراتها بمنطق إداري محض. فإلغاء تخصص في جامعة مركزية لا يشبه إلغاء بند تشغيلي، لأن التخصصات ليست وحدات تكلفة فقط، بل أوعية معرفية، ومدارس فكرية، ومسارات لتكوين النخب، ومصادر للذاكرة الوطنية والمؤسسية. والخلل يبدأ عندما تُعامل الجامعة كما لو كانت جهازاً مرناً يعاد ترتيبه وفق مؤشرات الطلب الآنية وحدها، لا مؤسسةً لها وظيفة وطنية وثقافية ومعرفية أعمق من الحسابات التشغيلية المباشرة.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يتعطل بسبب الرغبة في التغيير، بل بسبب اختزال معنى الإصلاح. فالخلل لا يقع في مواءمة البرامج مع الاقتصاد، بل في جعل الاقتصاد وحده معيار الجامعة. ولا يقع في الاستعانة بالخبراء، بل في منحهم سلطة تعريف الجامعة بدلاً من أن يكونوا داعمين لرؤيتها. ولا يقع في تخفيض التكاليف، بل في تحويل الكفاءة المالية إلى بديل عن الرسالة الأكاديمية. ولا يقع في تحديث التخصصات، بل في إلغائها قبل استنفاد بدائل تطويرها وتحويلها إلى مسارات أكثر حيوية وارتباطاً بالمستقبل.
إن الطريق إلى نموذج جامعي سعودي جديد يبدأ من ترسيخ حوكمة واضحة بين وزارة التعليم، ومجلس شؤون الجامعات، ومجالس الأمناء، ورؤساء الجامعات. ولا بد من وثيقة حوكمة تفصيلية تحدد من يملك القرار في البرامج، والميزانية، والموارد البشرية، والتحول الرقمي، والاستثمارات، وإعادة الهيكلة. فالمسؤولية لا تكون عادلة إلا إذا قابلتها صلاحية حقيقية، والاستقلالية لا تكون ناجحة إلا إذا رافقتها مساءلة ناضجة، والجامعة لا تستطيع أن تقود التحول إذا بقيت محاصرة بين مطالب متناقضة وصلاحيات غير مكتملة.
كما أن المطلوب ليس الدفاع عن الوضع القديم، بل حماية نموذج الجامعة الشاملة مع معالجة الترهل. يمكن دمج البرامج المتشابهة، وتحديث المناهج، وتقليص الازدواجية، ورفع كفاءة التشغيل، لكن من دون تدمير المجالات التي تمثل ذاكرة الجامعة وعقلها الحضاري. ويجب أن يكون الإصلاح ثمرة حوار جامعي واسع يشارك فيه أعضاء هيئة التدريس، والطلاب، والخريجون، والقطاع الخاص، والجهات الحكومية، بحيث يتحول القرار إلى قناعة مؤسسية لا مفاجأة إدارية. فالجامعة، بطبيعتها، مؤسسة نقاش وحوار وإقناع، وليست جهاز أوامر أو غرفة عمليات.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية أكبر مع التوسع في تأسيس الجامعات الجديدة، سواء كانت حكومية أو أهلية أو فروعاً لجامعات دولية. فالنجاح لا يقاس بعدد المباني أو الطلاب أو البرامج، بل بوضوح الهوية الأكاديمية، وجودة القيادة، ومرونة البرامج، وعمق الارتباط بالاقتصاد الوطني، والانفتاح على المعرفة العالمية. فالجامعات الجديدة ينبغي أن تتجنب التوسع السريع قبل بناء القوة، وأن تبدأ ببرامج نوعية عميقة ومتعددة التخصصات، مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والطاقة، والصحة، والسياسات العامة، والبيانات، وريادة الأعمال، والعلوم الإنسانية المتجددة.
ولا ينبغي، في خضم هذا التحول، أن نختزل الجامعة في منصة تعليم إلكتروني أو قاعات وشهادات. فالجامعة الحقيقية مجتمع حياة، وبيئة إنسانية وثقافية متكاملة تصنع الشخصية قبل المهنة. يتعلم الطالب فيها من الحوار، والمختبر، والمكتبة، والنادي، والعمل التطوعي، والتفاعل الفكري، كما يتعلم من المقرر الدراسي. وقد يوفر التعليم عن بعد كفاءة تشغيلية على المدى القصير، لكنه لا يعوض التجربة الجامعية التي تبني الانتماء والهوية والثقافة والمهارة الاجتماعية.
إن ما تواجهه الجامعات السعودية اليوم ليس أزمة عابرة في الإدارة أو التمويل أو إعادة الهيكلة، بل لحظة تاريخية فارقة تعيد طرح السؤال الجوهري: هل الجامعة مؤسسة حضارية تقود المجتمع نحو المستقبل، أم جهاز تشغيلي لإنتاج المهارات الآنية؟ إن مستقبل المملكة المعرفي والاقتصادي والتنموي يرتبط بقدرة جامعاتها على التحول من مؤسسات تقليدية مثقلة بالتعقيد البيروقراطي إلى منظومات معرفية مرنة، قادرة على التفكير والإبداع والاستكشاف، وقادرة كذلك على الجمع بين الكفاءة والرسالة، وبين الاستقلال والمساءلة، وبين متطلبات السوق ووظيفة الجامعة الأعمق.
تمتلك المملكة اليوم فرصة تاريخية لصناعة نموذج جامعي جديد يليق بطموحاتها العالمية ومكانتها الحضارية؛ نموذج يجمع بين الحوكمة الرشيدة، والاستقلالية المسؤولة، والكفاءة المالية، والتميز الأكاديمي، والانتماء الوطني العميق. وهو نموذج يرى في الجامعة شريكاً استراتيجياً في صناعة المستقبل، لا مجرد جهة تنفيذية تابعة. وعندما تنجح المملكة في بناء هذا النموذج، فإن جامعاتها لن تكون فقط مؤسسات تعليمية متقدمة، بل مراكز لإنتاج المعرفة، وصياغة السياسات، وتحريك الابتكار، وبناء القوة الحضارية للدولة السعودية في القرن الحادي والعشرين.

كاتب رأي

 

 

الدكتور عصام يحيي الفيلالي

اديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.