كُتاب الرأي

من الاقتصاد الزراعي إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي

من الاقتصاد الزراعي إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي

تحولات القيمة والإنتاج والمعرفة

عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق / جامعة الملك عبدالعزيز

يمثل تاريخ الاقتصاد، في أحد وجوهه الكبرى، تاريخًا لتحول مصادر القيمة ووسائل تنظيم الإنتاج. فالمجتمعات لم تنتقل من الزراعة إلى الصناعة، ثم إلى المعرفة، ثم إلى الذكاء الاصطناعي، بوصف ذلك تعاقبًا زمنيًا بسيطًا، بل بوصفه تحولًا بنيويًا في علاقة الإنسان بالطبيعة، وبالآلة، وبالمعلومة، وبالخوارزمية.

لذلك لا ينبغي فهم هذه المراحل كجزر منفصلة؛ فالزراعة لم تختفِ مع الصناعة، والصناعة لم تنتهِ مع الاقتصاد المعرفي، والمعرفة لم تفقد أهميتها في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، وإنما تغير مركز الثقل الذي تُبنى حوله الإنتاجية والميزة التنافسية. بل إن بعض القطاعات الأكثر تقادمًا، مثل الزراعة، تعاد صياغتها اليوم بوصفها قطاعًا كثيف المعرفة والتكنولوجيا، فيما يُعرف بـ”الزراعة الدقيقة” التي تستخدم الطائرات دون طيار، وأجهزة استشعار التربة، ونماذج التعلم الآلي للتنبؤ بالطقس والآفات. وهذا يثبت أن المراحل الاقتصادية لا تتعاقب فحسب، بل تتكامل وتعيد تشكيل بعضها البعض.

إطار مقارن للتحولات الكبرى

ويمكن توضيح الفروق الجوهرية بين المراحل الاقتصادية بإيجاز على النحو الآتي:

· الاقتصاد الزراعي:
مورد القيمة المركزي هو الأرض والعمل اليدوي. شكل الإنتاج الغالب: المزرعة والاكتفاء النسبي. المهارات الحاسمة: الخبرة الزراعية والتكيف مع الطبيعة. التحدي الرئيس: انخفاض الإنتاجية ومحدودية الفائض.

· الاقتصاد الصناعي:
مورد القيمة المركزي: الآلة والطاقة ورأس المال. شكل الإنتاج: المصنع القائم على تقسيم العمل. المهارات: تقنية وانضباط في التشغيل الميكانيكي. التحديات: الاستغلال، التمدن السريع، التلوث.

· الاقتصاد المعرفي:
مركز القيمة: المعرفة والابتكار. أنماط الإنتاج: البحث، الخدمات المتقدمة، الشبكات الرقمية. المهارات: التعليم، البحث، المهارات الرقمية. التحدي الأبرز: فجوة المعرفة وعدم تكافؤ الفرص.

· اقتصاد الذكاء الاصطناعي:
مصدر القيمة: البيانات والخوارزميات. شكل الإنتاج: المنصات والأنظمة الذكية. المهارات: تحليل البيانات، الحوكمة، الأخلاقيات. التحديات: الإزاحة الوظيفية، التحيز الخوارزمي، تركيز القوة، وتفاقم اللامساواة.

جاء الاقتصاد الصناعي نتيجة تراكم طويل في التكنولوجيا والمؤسسات ورأس المال، لا نتيجة اختراع واحد. فقد أدى استخدام الطاقة الميكانيكية، ثم الفحم والبخار والكهرباء، إلى نقل مركز الإنتاج من الحقل والورشة المنزلية إلى المصنع. وتشير أدبيات التحول البنيوي إلى أن نمو الشركات الرأسمالية واستثمارها في الابتكار رفع الإنتاجية وغيّر بنية الاقتصاد؛ إذ لم تعد الزراعة المصدر الأول للدخل والناتج، بينما نمت الصناعة ثم الخدمات بوتيرة أسرع، وانخفضت حصة العمالة الزراعية مقابل ارتفاع حصة العمالة غير الزراعية.

وفي نموذج آرثر لويس للتنمية، يؤدي انتقال العمال من قطاع كفاف منخفض الإنتاجية إلى قطاع رأسمالي أكثر إنتاجية إلى رفع متوسط الإنتاجية والدخل الفردي، وهو ما يفسر جانبًا مهمًا من التحول من الاقتصاد الزراعي إلى الصناعي. غير أن الصناعة لم تكن تحولًا تقنيًا فحسب، بل كانت تحولًا اجتماعيًا ومؤسسيًا. فقد نشأت المدن الصناعية، وتوسعت الأسواق الوطنية والدولية، وبرزت طبقة عاملة مأجورة، وتطورت الدولة الحديثة في مجالات التعليم والبنية التحتية والتشريع. لكن هذه المرحلة حملت أيضًا أزمات عميقة: ظروف عمل قاسية، تفاوت طبقي، تلوث بيئي، واعتماد متزايد على الطاقة الأحفورية. لذلك تكشف المرحلة الصناعية أن ارتفاع الإنتاجية لا يكفي وحده لضمان العدالة أو الاستدامة، ما لم يصاحبه تنظيم اجتماعي ومؤسسي مناسب.

مع أواخر القرن العشرين، برز الاقتصاد القائم على المعرفة بوصفه انتقالًا من مركزية المادة والآلة إلى مركزية الأفكار والبحث والابتكار. وقد استخدمت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) مفهوم الاقتصاد القائم على المعرفة ( ورأس المال البشري) للتعبير عن تعاظم دور المعرفة والتكنولوجيا في الاقتصادات الحديثة. كما يعرّف البنك الدولي الاقتصاد المعرفي بأنه اقتصاد تكون فيه المعرفة المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي طويل الأجل، مؤكدًا أن الاستثمار في التعليم والابتكار وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والبيئة الاقتصادية والمؤسسية الملائمة يقود إلى قدرة أعلى على إنتاج المعرفة وتوظيفها.

بناءً على ذلك، لم تعد الميزة التنافسية تُختزل في وفرة المواد الخام أو رخص الأجور، بل أصبحت ترتبط بجودة الجامعات، وكفاءة البحث العلمي، ومرونة المؤسسات، وحماية الملكية الفكرية، وسرعة تحويل الفكرة إلى منتج أو خدمة. ولذلك يختلف الاقتصاد المعرفي عن الاقتصاد الصناعي في أن السلعة الأساسية فيه قد تكون غير ملموسة: برنامجًا، أو تصميمًا، أو براءة اختراع، أو قاعدة بيانات، أو نموذج عمل رقمي. كما أن قابلية المعرفة للانتشار والاستنساخ تمنحها طبيعة مختلفة عن الموارد المادية؛ فالآلة تُستهلك بالاستخدام، أما المعرفة فقد تزداد قيمة كلما انتشرت وتراكمت.

غير أن هذا الاقتصاد يخلق بدوره تفاوتات جديدة بين من يمتلكون التعليم والمهارات الرقمية ومن لا يمتلكونها، وبين دول قادرة على الابتكار ودول تظل مستهلكة للتكنولوجيا. ومن الأمثلة البارزة على التحول الناجح إلى الاقتصاد المعرفي، كوريا الجنوبية التي قطعت خلال خمسين عامًا من اقتصاد زراعي فقير في ستينيات القرن العشرين إلى اقتصاد صناعي قوي (هيونداي، سامسونج)، ثم إلى اقتصاد معرفي رقمي، وهي اليوم من الدول الرائدة في تبني الذكاء الاصطناعي في الحكومة والصناعة. وعلى النقيض، لا تزال بعض الدول النامية، خاصة في أفريقيا وجنوب آسيا، عالقة في مرحلة ما قبل الصناعة، حيث يشكل قطاع الزراعة أكثر من 50% من الناتج المحلي والعمالة.

أما الاقتصاد القائم على الذكاء الاصطناعي فيمثل تحولًا أعمق داخل الاقتصاد المعرفي، لأنه لا يكتفي بإنتاج المعرفة وتداولها، بل يطوّر أنظمة قادرة على تحليل البيانات، والتنبؤ، والتوليد، واتخاذ قرارات جزئية أو كلية في مجالات الإنتاج والخدمات والطب والتعليم والتمويل. هنا تصبح البيانات مادة خام جديدة، وتصبح الخوارزميات آلات معرفية، وتتحول المنصات الرقمية إلى بنى تحتية للإنتاج والتوزيع.

ووفقًا لصندوق النقد الدولي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر في قرابة 40% من الوظائف عالميًا، وفي نحو 60% من الوظائف في الاقتصادات المتقدمة، مع احتمال أن يعزز إنتاجية بعض الأعمال وأن يحل محل مهام بشرية في أعمال أخرى. يوجز صندوق النقد الدولي طبيعة التحول بقوله إن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في قرابة 40% من الوظائف حول العالم، مستبدلًا بعضها ومكمّلًا بعضها الآخر، وهو ما يجعل السياسة العامة شرطًا أساسيًا لتوجيه التحول نحو منفعة اجتماعية أوسع.

تكمن قوة اقتصاد الذكاء الاصطناعي في أنه يسرّع دورة الإنتاج المعرفي نفسها: فالخوارزميات تساعد على البحث، والتصميم، والبرمجة، والتشخيص، وإدارة سلاسل الإمداد، وتحليل المخاطر. لكنها تطرح في المقابل تحديات نوعية. فإلى جانب الإزاحة الوظيفية والتحيز الخوارزمي، يبرز خطر تركيز القوة في أيدي شركات قليلة تمتلك البيانات الضخمة والنماذج اللغوية الكبيرة (مثل Google، Microsoft، OpenAI، Meta). وهذا يطرح سؤالاً لم يظهر في المراحل السابقة بنفس الحدة: كيف نمنع تحول الذكاء الاصطناعي إلى احتكار معرفي واقتصادي؟ الحل لا يمكن أن يكون تقنيًا فقط، بل يتطلب تشريعات مناهضة للاحتكار، وحوكمة دولية للبيانات، ودعمًا للنماذج مفتوحة المصدر.

على الصعيد العالمي، يخلق اقتصاد الذكاء الاصطناعي فجوة جديدة وأكثر خطورة: الدول التي تملك البيانات الضخمة، والبنية التحتية للحوسبة السحابية، والكوادر القادرة على تطوير النماذج اللغوية الكبيرة، ستتفوق بشكل هائل على الدول التي تظل مستهلكة لهذه التقنيات. صندوق النقد الدولي نفسه يحذر من أن 60% من الوظائف في الاقتصادات المتقدمة معرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي، بينما النسبة أقل في الدول النامية (نحو 26%)، لكن ليس لأن تلك الدول أقل عرضة للخطر، بل لأنها تفتقر أساسًا إلى البنية الرقمية والهيكل الاقتصادي الذي يجعل التأثير واردًا. بمعنى آخر، الخطر الأكبر ليس فقدان الوظائف فقط، بل اتساع فجوة التنمية بين دول تنتج الخوارزميات ودول تستهلكها.

ما العمل؟ توجيهات للسياسات الوطنية

ما يعنيه هذا للدول العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية في ظل رؤية 2030، هو أن التحول إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحدث بمجرد شراء التقنيات الجاهزة أو استضمام الخبراء الأجانب. بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من السياسات:

1. إصلاح تعليمي جذري:
إعادة صياغة المناهج من الحفظ والتلقين إلى التفكير الحوسبي، والتحليل النقدي للبيانات، وحل المشكلات بالإبداع، مع إدخال محو الأمية الرقمية والذكاء الاصطناعي كمواد أساسية من المراحل المبكرة.

2. استثمار ضخم في البنية التحتية الرقمية:
توسيع شبكات الجيل الخامس، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، مع ضمان أمنها وسيادتها الوطنية.

3. تشريعات متقدمة:
قوانين تحمي الخصوصية، وتكافح التحيز الخوارزمي، وتنظم استخدام البيانات، وتمنع الاحتكار الرقمي، مع مواءمة هذه القوانين مع المعايير الدولية.

4. برامج وطنية لإعادة التأهيل والتدريب المستمر:
لأن الوظائف التي ستختفي ليست بالضرورة وظائف العمالة غير الماهرة فقط، بل قد تشمل مهناً كانت تعتبر آمنة مثل المحاماة، والطب التشخيصي، والمحاسبة، والترجمة. لذلك يجب إنشاء مسارات سريعة لإعادة المهارات (reskilling) ورفع المهارات (upskilling).

5. حوكمة أخلاقية للذكاء الاصطناعي:
إنشاء هيئات وطنية للإشراف على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعين العام والخاص، مع إشراك المواطنين والمجتمع المدني في تحديد الحدود الأخلاقية لهذه التقنيات.

وخلاصة القول إن تطور الاقتصاد من الزراعة إلى الصناعة ثم المعرفة فالذكاء الاصطناعي هو انتقال من الاعتماد على الطبيعة إلى تسخير الآلة، ثم إلى تنظيم المعرفة، ثم إلى أتمتة جانب من الذكاء نفسه. وفي كل مرحلة يتغير سؤال التنمية: في الزراعة كان السؤال كيف نؤمن الغذاء والفائض؛ وفي الصناعة كيف نرفع الإنتاجية وننظم العمل؛ وفي المعرفة كيف ننتج الابتكار وننشر التعليم؛ وفي الذكاء الاصطناعي كيف نوفق بين الكفاءة والعدالة والحوكمة.

ومن ثم فإن الاقتصاد الأقوى في المستقبل لن يكون الاقتصاد الذي يملك الخوارزميات فقط، بل الذي يملك القدرة المؤسسية والأخلاقية والتعليمية على توظيفها في خدمة الإنسان والتنمية المستدامة. وهذا يتطلب من صناع القرار اليوم اتخاذ قرارات صعبة وجريئة، ليس فقط في شراء التقنيات، بل في تغيير ثقافات العمل، وأنظمة التعليم، وآليات الحوكمة، لأن التحول البنيوي الحقيقي لا يحدث بين عشية وضحاها، ولا يأتي بالمراسيم وحدها، بل بالاستعداد الطويل والصبر على الاستثمار في الإنسان أولاً.

والله من وراء القصد.

كاتب رأي

 

 

 

الدكتور عصام يحيي فلالي

اديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.