كُتاب الرأي

*الأحزاب واستغلال الأزمات*

*الأحزاب واستغلال الأزمات*

عبدالمحسن بن سليم المضيبيري 

تُعدّ الجماعات الحزبية والتنظيمات المؤدلجة من أكثر الكيانات قدرةً على استثمار الأزمات والثغرات المجتمعية والإعلامية لتحقيق أهدافها الفكرية والتنظيمية ، فهي لا تتحرك غالبًا في البيئات المستقرة والواعية بقدر ما تبحث عن مواطن الضعف، وحالات الاحتقان، والقصور الإداري أو الاجتماعي؛ لتحويلها إلى أدوات ضغط وتأثير وتعبئة للرأي العام.

وتقوم آلية التحرك الحزبي في كثير من الأحيان على مبدأ “استثمار الحدث”، لا على صناعة الحدث فقط؛ إذ إن أي تقصير، أو خطأ فردي، أو أزمة عابرة، قد يتحول لديهم إلى قضية عامة تُضخَّم إعلاميًا، ويُعاد توجيهها فكريًا بطريقة تخدم أهداف التنظيم أو توجهاته. ومن هنا تبدأ عملية التأليب، وإثارة المشاعر، وصناعة حالة من الشك أو السخط تجاه المؤسسات أو القيادات أو الأنظمة.

كما تعتمد هذه الجماعات على مخاطبة العاطفة أكثر من مخاطبة العقل؛ لأن التأثير العاطفي أسرع انتشارًا وأشد حضورًا في المجتمعات، خاصة في أوقات الأزمات ،ولذلك نجدهم يوظفون معاناة الناس، أو احتياجاتهم، أو القضايا الإنسانية والاجتماعية، لتكوين حالة تعاطف جماهيري، ثم توجيه هذا التعاطف تدريجيًا نحو مواقف سياسية أو فكرية تخدم أجندتهم .

ومن أبرز أساليب هذه الاحزاب :

* تضخيم الأخطاء الفردية وتحويلها إلى صورة عامة عن المجتمع أو الدولة.
* استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لإثارة الرأي العام وصناعة “الترند”.
* استخدام الشعارات العاطفية والعبارات الفضفاضة التي تستميل الناس دون طرح حلول واقعية.
* اللعب على مفهوم “المظلومية” لكسب التعاطف واستقطاب الأتباع.
* بث الشائعات أو اجتزاء المعلومات لإثارة البلبلة وفقدان الثقة.
* استغلال فئة الشباب عبر الخطاب الحماسي أو القضايا الفكرية والحقوقية.

ولا يعني ذلك إنكار وجود أخطاء أو احتياجات مجتمعية حقيقية؛ فكل مجتمع معرض للتقصير والتحديات، لكن الفرق يكمن بين من يسعى للإصلاح والبناء وفق الأطر النظامية والمصلحة العامة، وبين من يحوّل تلك الأخطاء إلى وقود للفوضى أو وسيلة للتهييج والانقسام.

إن الأمن الفكري لا يقتصر على مواجهة التطرف المباشر فقط، بل يشمل أيضًا حماية الوعي المجتمعي من محاولات الاستغلال الحزبي، ومن الخطابات التي تسعى إلى تفكيك الثقة، وإضعاف التماسك الوطني، وإثارة النزاعات الفكرية والاجتماعية. ولهذا فإن تعزيز الوعي، وترسيخ قيم الانتماء الوطني، ونشر ثقافة التثبت والتحقق، تعد من أهم أدوات الوقاية الفكرية.

كما أن المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية تتحمل دورًا كبيرًا في بناء الإنسان الواعي القادر على التمييز بين النقد البنّاء، وبين الخطاب المؤدلج الذي يتخفى خلف الشعارات البراقة والعواطف المؤثرة.

وفي النهاية، تبقى المجتمعات الواعية والمتماسكة هي الأقدر على إفشال محاولات الاستغلال الحزبي، لأن الوعي هو خط الدفاع الأول، ولأن حفظ الأمن والاستقرار مسؤولية مشتركة تقوم على الحكمة، والبصيرة، والوعي بحقيقة الأساليب التي تستخدمها الجماعات المؤدلجة في الوصول إلى أهدافها

كاتب رأي

 

عبدالمحسن بن سليم المضيبري

كاتب رأي وباحث دكتوراه في الأمن الفكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.