كُتاب الرأي

المقال: نص لا يموت

المقال: نص لا يموت

فيصل مرعي الكثيري 

​تقف المؤسسات الثقافية اليوم أمام مشهد يثير التأمل، فهي تفتح المنصات للرواية، وتعلّق الأوسمة على أعناق الشعراء، وتحتفي بالقصة القصيرة بوصفها فنا حديثا متجددا، في حين يظل فن المقال واقفا عند الباب، كأنه قريب لا يُعترف بقرابته الكاملة للأدب. والمفارقة هنا ليست بسيطة، لأن كثيرا من الوعي العربي الحديث لم تصنعه الروايات وحدها، ولا القصائد وحدها فقد صنعته مقالات حملت الفكر إلى الناس وفتحت أبواب السؤال، وعلمت القارئ كيف يرى الحياة بعين أكثر عمقا واتساعا. وهنا ينهض سؤال: كيف تحتفي المؤسسات بالأدب، ثم تغفل الفن الذي هذّب اللغة، وشارك في تشكيل العقل العربي الحديث؟
​لقد كان المقال العربي أكثر من نص صحفي مرتبط بلحظته، فقد كان ميدانا للفكر وساحة للمعرفة، ومنبرا تتصارع فيه الرؤى والأسئلة الكبرى. ومن خلاله دخل الكتاب معارك الوعي باللغة لا بالسلاح، وصنعوا ذائقة كاملة لجيل وراء جيل.
وحين يُذكر فن المقال، يقف مصطفى صادق الرافعي شامخا كأن اللغة استعارت هيبته، فلم يكن يكتب مقالا ينتهي بانتهاء يومه، فقد كان يصوغ بيانا أدبيا وفكريا يواجه به عصره، وفي كتابه وحي القلم تبدو المقالة فنا كاملا له موسيقاه ومنطقه وجماله الداخلي. ثم يأتي أحمد حسن الزيات ليمنح المقال صفاء الذوق ورشاقة العبارة، وحول عباس محمود العقاد المقال إلى ساحة سجال فكري وعقلي، وفتح طه حسين عبره أبواب السؤال والمعرفة وإعادة النظر في المسلمات. هؤلاء لم يكونوا كتاب هوامش ثقافية، فهم مهندسو ذائقة ووعي.
​لم ينطفئ وهج المقال بعد ذلك الجيل فقد ظل هذا الفن حيا في تجارب معاصرة متعددة، عند غازي القصيبي حيث تمتزج خفة العبارة بعمق الفكرة، وعند عبدالله الغذامي في مساءلته الثقافية للمجتمع، وعند سعيد السريحي في هدوئه النقدي وتأمله المعرفي، وكذلك عند عبدالله الجفري الذي منح المقال دفئا إنسانيا جعل القارئ يشعر أنه لا يقرأ رأيا جامدا، ويصغي إلى إنسان يعرف الحياة والناس واللغة.
ومع ذلك ما تزال بعض المؤسسات تتعامل مع المقال وكأنه فن وظيفي مؤقت، يولد في الصحيفة صباحا ويموت مساء، وهذا تصور مرتبك لأن المقال العظيم لا يعيش بسبب موضوعه وحده، فقيمة وجوده تكمن في طريقته في النظر إلى الإنسان والحياة والزمن. ​إذا كانت الرواية تستند أحيانا إلى الحكاية، وكان الشعر يملك موسيقاه وصوره، فإن المقال يقف مكشوفا أمام القارئ، لا يملك إلا منطقه وأسلوبه، وقدرته على الإقناع والإدهاش. ولهذا كان المقال من أصعب الفنون الأدبية، فهو مواجهة مباشرة بين عقل الكاتب وعقل القارئ، دون شخصيات متخيلة تختبئ خلفها الفكرة.
ومن المفارقات التي تثير ابتسامة ساخرة، أن كثيرا من أعضاء لجان تحكيم الرواية والشعر يمارسون حضورهم الثقافي عبر المقال نفسه، يكتبون به ويدافعون عن أفكارهم من خلاله، ويؤثرون في الناس عبره، ثم يعود هذا الفن إلى زاوية التهميش حين تبدأ حفلات الجوائز، كأن المقال صار كالهواء، الجميع يعيش به ولا أحد يفكر في الاحتفاء به.
​إن إعادة الاعتبار لفن المقال ليست مجاملة لفن قديم، فهي اعتراف بقيمة العقل حين يلبس ثوب الأدب. فالأمم لا تبنى بالحكايات وحدها، فهي تبنى بالأفكار التي تعلم الإنسان كيف يرى، وكيف يفكر وكيف يسأل. ولهذا يبدو تغييب المقال من الجوائز الأدبية نقصا في فهم الأدب نفسه، لأن الأدب ليس عددا من الصفحات، ولا أسماء شخصيات ولا قافية موزونة، فالأدب أثر يتركه الكاتب في اللغة والوعي والوجدان، والمقال العظيم يفعل ذلك كله في صفحات قليلة.
ولذلك لا يموت المقال العظيم حين تُطوى الصحيفة، لأن ما يسكن العقل لا تشيعه الأيام إلى النسيان.

كاتب رأي 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.