كُتاب الرأي

قيثارة الحزن الأبدي

قيثارة الحزن الأبدي

بقلم: بكري عساس

يظل الأدب العربي واحدًا من أعظم خزائن الجمال الإنساني، ففيه قصائد خلدت أصحابها، وأبيات شعرية تجاوزت حدود الزمان والمكان حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية للأمة. وقد يخلد الشاعر أحيانًا بقصيدة كاملة، وأحيانًا ببيت واحد استطاع أن يلامس القلوب بما يحمله من صدق الشعور وروعة التصوير.

ومن أشهر الأبيات التي تناقلها عشاق الشعر العربي الحديث قول الشاعر:

«والسيفُ في الغمدِ لا تُخشى مضاربهُ  
وسيفُ عينيكِ في الحالينِ بتّارُ»

ذلك البيت الذي عُدَّ من أبلغ أبيات الغزل في العصر الحديث، يعود إلى الشاعر السوداني إدريس جمّاع، أحد أكثر الشعراء الذين امتزج في حياتهم الإبداع بالألم، والموهبة بالمعاناة.

نشأ إدريس جمّاع في بيئة محافظة متدينة في السودان، ثم انتقل إلى مصر عام 1947م ليلتحق بكلية دار العلوم، حيث تخرج عام 1951م حائزًا على الليسانس في اللغة العربية وآدابها. وكان شاعرًا مرهف الحس، شديد التأثر بالجمال والطبيعة والإنسان، حتى انعكس ذلك بوضوح في قصائده التي اتسمت بالعذوبة والرقة.

وتروي المصادر الأدبية أن الشاعر عانى في أواخر حياته اضطرابات نفسية قادته إلى دخول أحد المستشفيات للعلاج، غير أن روحه الشاعرية بقيت متقدة رغم الألم. ويُحكى أنه أثناء سفره للعلاج شاهد امرأة فائقة الجمال برفقة زوجها، فأطال النظر إليها، ثم أنشد قائلاً:

«أعلى الجمالِ تغارُ منّا  
ماذا عليكِ إذا نظرنا  
هي نظرةٌ تُنسي الوقارَ  
وتُسعدُ الروحَ المُعنّى»

وعندما وصلت هذه الأبيات إلى الأديب الكبير عباس محمود العقاد، أُعجب بها إعجابًا شديدًا، وسأل عن قائلها، فقيل له إنه إدريس جمّاع الذي كان يتلقى العلاج النفسي، فقال عبارته الشهيرة التي تدل على دهشته من هذا الجمال الشعري: «هذا مكانه، لأن مثل هذا الكلام لا يقوله أصحاب العقول العادية».

ومن المواقف التي ارتبطت باسم إدريس جمّاع أيضًا، أنه أثناء علاجه في لندن أُعجب بعيني إحدى الممرضات، وكانت تشعر بحرج من طول تأمله، فنصحها مدير المستشفى بأن ترتدي نظارة سوداء. وعندما رآها بذلك المشهد أطلق بيته الشهير:

«والسيفُ في الغمدِ لا تُخشى مضاربهُ  
وسيفُ عينيكِ في الحالينِ بتّارُ»

وقد أثّر هذا البيت في الممرضة كثيرًا بعدما تُرجم لها معناه، حتى قيل إنها بكت تأثرًا بروعة الصورة الشعرية وصدق الإحساس.

ولم يكن إدريس جمّاع شاعر غزل فحسب، بل كان أيضًا شاعر ألم ومعاناة. ومن أشهر أبياته التي انتشرت في العالم العربي قوله:

«إنَّ حظي كدقيقٍ فوق شوكٍ نثروه  
ثم قالوا لحفاةٍ يومَ ريحٍ اجمعوه  
صعب الأمرُ عليهم ثم قالوا اتركوه  
إنَّ من أشقاهُ ربي كيف أنتم تُسعدوه»

وقد ذاعت هذه الأبيات انتشارًا واسعًا حتى حفظها كثير من الناس، بينما يجهل بعضهم اسم قائلها. ولعل سر خلود شعر إدريس جمّاع أنه كتب بصدقٍ نادر، فخرج شعره من القلب ليصل مباشرة إلى القلوب.

إن تجربة إدريس جمّاع تذكرنا بأن العبقرية الأدبية كثيرًا ما تولد من رحم المعاناة، وأن الكلمة الصادقة قادرة على البقاء مهما غاب صاحبها، لتظل قصائده حتى اليوم قيثارة حزنٍ أبدي تعزف ألحان الجمال والألم معًا.

كاتب رأي

 

الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.