كُتاب الرأي

برج لندن الغامض.. أسرار السقوط من الشرفات!

برج لندن الغامض.. أسرار السقوط من الشرفات!

بقلم: بكري عساس

لطالما ارتبطت بعض الأبنية في العالم بقصص غامضة وحوادث أثارت الجدل، لكن القليل منها استطاع أن يحتفظ بهالة من الرهبة والأسئلة كما فعل برج “ستيوارت” السكني في منطقة “مايدا فيل” غرب العاصمة البريطانية لندن. فهذا البرج الهادئ ظاهرياً، تحول عبر العقود إلى عنوان دائم للغموض، بعد أن ارتبطت به سلسلة من حوادث السقوط المأساوية التي طالت شخصيات مصرية بارزة، سياسية وعسكرية وفنية، في وقائع ما تزال تثير الحيرة حتى اليوم.

اشتهر برج “ستيوارت” بعد وقوع عدد من الحوادث الغامضة داخله، من أبرزها حادثة سقوط الفريق الليثي ناصف، مؤسس الحرس الجمهوري المصري، من الطابق الحادي عشر يوم 24 أغسطس 1974م، ثم حادثة سقوط الفنانة المصرية الشهيرة سعاد حسني من الطابق السادس يوم 21 يونيو 2001م، وأخيراً حادثة سقوط رجل الأعمال والمستشار السياسي أشرف مروان من شرفة شقته بالطابق العاشر عام 2007م.

ورغم اختلاف الأزمنة والظروف، فإن ثمة خيطاً مشتركاً جمع بين هذه الوقائع؛ فجميع الضحايا سقطوا من شرفات البرج ذاته، وفي ظروف وُصفت بالغامضة، لتبقى الروايات متضاربة بين فرضيات الانتحار، أو السقوط العرضي، أو حتى الاغتيال المدبر، خاصة أن بعض هؤلاء الضحايا كانوا على صلة بملفات سياسية وأمنية حساسة.

كانت البداية مع الفريق الليثي ناصف، أحد أبرز القيادات العسكرية المصرية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، والذي حظي بثقة كبيرة مكّنته من تأسيس الحرس الجمهوري المصري ليصبح أول قائد له. وبعد تولي الرئيس أنور السادات الحكم، استعان به في مواجهة ما عُرف آنذاك بـ”مراكز القوى”، وهي المجموعة التي اتُّهمت بمحاولة إقصاء السادات عقب وفاة الرئيس عبد الناصر.

وفي أغسطس 1974م، انتهت حياة الليثي ناصف بصورة مفاجئة بعد سقوطه من شرفة شقته الواقعة بالطابق الحادي عشر من برج ستيوارت، في حادثة أثارت كثيراً من علامات الاستفهام، خصوصاً مع تضارب الروايات حول ملابسات وفاته.

وبعد نحو سبعة وعشرين عاماً، عاد البرج ليتصدر عناوين الصحف مجدداً، ولكن هذه المرة مع الفنانة سعاد حسني، التي رحلت إثر سقوطها من شرفة الطابق السادس في ظروف مشابهة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الفنية والإعلامية.

وقد تعددت الروايات بشأن وفاتها؛ فبينما رجّحت بعض الآراء فرضية الانتحار بسبب معاناتها من الاكتئاب، رفضت أسرتها تلك الرواية بشكل قاطع، مؤكدة أن حالتها الصحية والنفسية لم تكن تسمح لها بتنفيذ ذلك، كما أثيرت تساؤلات عديدة حول السلك الحديدي المحيط بالشرفة، والذي قيل إنه احتاج إلى جهد كبير لقصه.

أما الحادثة الثالثة، فقد وقعت عام 2007م، وكان ضحيتها أشرف مروان، رجل الأعمال والمستشار السياسي للرئيس المصري الراحل أنور السادات، وصهر الرئيس جمال عبد الناصر. وقد زادت نهاية مروان الغامضة من حجم التكهنات، نظراً للمناصب الحساسة التي شغلها طوال حياته.

وتشير تقارير عديدة إلى أن أشرف مروان كان قبل وفاته يعمل على كتابة مذكراته الشخصية، والتي قيل إنها اختفت عقب الحادثة، وهو ما عزز لدى البعض فرضية تعرضه للاغتيال، خصوصاً أن وفاته جاءت بالطريقة ذاتها تقريباً التي انتهت بها حياة الليثي ناصف وسعاد حسني.

والمثير في هذه الحوادث الثلاث أنها وقعت جميعها في وضح النهار، وفي البرج ذاته، كما أن كاميرات المراقبة الموجودة بالموقع لم تساعد في كشف الحقيقة، بسبب تعطلها أثناء وقوع الحوادث، بحسب ما تم تداوله آنذاك.

وهكذا ظل برج “ستيوارت” في لندن محاطاً بهالة كثيفة من الغموض والأسئلة التي لم تجد إجابات حاسمة حتى اليوم، ليبقى واحداً من أكثر الأبراج إثارة للجدل، وواحداً من أكثر الأماكن التي ارتبط اسمها بحوادث السقوط الغامضة في ذاكرة العالم العربي.

كاتب رأي 

 

 

الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى