كُتاب الرأي

قس بن ساعدة… حكيم العرب وخطيب عكاظ

قس بن ساعدة… حكيم العرب وخطيب عكاظ

بقلم: بكري عساس

يُعدّ قس بن ساعدة الإيادي واحدًا من أبرز حكماء العرب وخطبائهم في الجاهلية، واسمه الكامل قس بن ساعدة بن حذافة الإيادي، وكان من سادات قبيلة إياد وقادتها، واشتهر بالحكمة والبلاغة وقوة التأثير في الناس، حتى أصبح مضرب المثل في الفصاحة، فقيل: «أبلغ من قس».

وقد ارتبط اسمه بسوق عكاظ، ذلك السوق العربي الشهير الذي كان ملتقى للأدب والخطابة والشعر، حيث ألقى خطبته المشهورة التي تُعد من أشهر الخطب في تاريخ العرب قبل الإسلام، ومما جاء فيها:

«أيها الناس، اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت».

وقد حملت هذه الكلمات معاني عميقة في التأمل بالحياة والموت والآخرة، مما جعل قس بن ساعدة يحتل مكانة خاصة بين حكماء العرب.

وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه «الإصابة في تمييز الصحابة» أن العرب كانت تعظّم قس بن ساعدة، وأن الشعراء كانوا يضربون به الأمثال في الحكمة والبلاغة. ومن ذلك قول الشاعر الحطيئة:

«وأقول من قس وأمضي كما مضى  
من الرمح إن مس النفوس نكالها»

كما قال الشاعر المخضرم لبيد بن ربيعة:

«وأخلف قسًّا ليتني ولعلني  
وأعيا على لقمان حكم التدبر»

وأشار بذلك إلى قول قس بن ساعدة:

«وما قد تولّى فهو قد فات ذاهبًا  
فهل ينفعني ليتني ولعلني»

وتُنسب إلى قس بن ساعدة أقوال وأفعال كثيرة، منها أنه أول من خطب متكئًا على عصا، وأول من كتب: «من فلان إلى فلان»، وأول من قال: «أما بعد»، كما يُنسب إليه القول الشهير: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر».

وقد عدّه الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل» من الموحدين الذين آمنوا بالله واليوم الآخر قبل الإسلام، وكان زاهدًا في الدنيا، خاصة بعد وفاة أخويه ودفنه لهما بيده، مما ترك أثرًا عميقًا في نفسه، فكان يجوب الأسواق وينذر الناس ويذكّرهم بالموت والحساب.

وروى الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله قسًّا، إنه كان على دين أبيه إسماعيل وإبراهيم»، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم قس بن ساعدة قبل البعثة وهو يخطب الناس في سوق عكاظ.

ومن الحكم المنسوبة إليه قوله:

«إذا خاصمت فاعدل، وإذا قلت فاصدق، ولا تستودعن سرك أحدًا، فإنك إن فعلت لم تزل وجلًا».

وتوفي قس بن ساعدة الإيادي نحو عام 600م، الموافق لثلاثة وعشرين عامًا قبل الهجرة النبوية، ولم تذكر المصادر التاريخية مكان وفاته على وجه التحديد.

لقد ظل قس بن ساعدة رمزًا للحكمة والبلاغة في الذاكرة العربية، وصورةً مشرقةً للعقل العربي الذي سبق الإسلام في الدعوة إلى مكارم الأخلاق والتأمل في مصير الإنسان والحياة.

كاتب رأي

 

 

الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى