كُتاب الرأي

العقول العظيمة وصناعة الوعي

العقول العظيمة وصناعة الوعي

بقلم: د. بكري معتوق عساس

من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان نعمة العقل، فهي الفارق الحقيقي بينه وبين سائر المخلوقات، وبها عرف الإنسان ربَّه، وأدرك الحق من الباطل، وميّز بين ما ينفعه وما يضره، واستطاع أن يسخّر قوانين الحياة لمصلحته، وأن يبني هذه الحضارة الإنسانية الكبرى التي يعيش العالم في ظلالها اليوم.

وقد بيَّن القرآن الكريم منزلة العقل ورفعة شأنه.

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾

فمن عطّل عقله ولم يستخدمه في معرفة الحق والتفكر في آيات الله، فقد هبط إلى منزلةٍ أدنى من مجرد الدواب.

ولأهمية العقل، حفلت آيات القرآن الكريم بالدعوة إلى إعمال الفكر والتأمل والنظر.

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾

﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾

﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

وقد تكررت عبارة ﴿أفلا تعقلون﴾ في القرآن الكريم ثلاث عشرة مرة، في إشارة واضحة إلى أهمية استخدام العقل في فهم الحياة واكتشاف الحقائق.

وقد بعث إليَّ معالي الدكتور عبدالله العثمان، مدير جامعة الملك سعود السابق، مقطعاً لطيفاً من محاضرة له بعنوان «إدارة التغيير»، تحدث فيه عن أقسام العقول، فذكر أن العقول ثلاثة أنواع:

• عقول عظيمة تناقش الأفكار.
• وعقول متوسطة تناقش الأحداث.
• وعقول صغيرة تناقش الأشخاص.

فالإنسان الواعي يحرص على أن يكون من أصحاب العقول العظيمة، الذين ينشغلون بالأفكار والمبادئ والقيم، ويسعون إلى البناء والإصلاح، بينما يترفّع عن الانشغال بالقيل والقال، وتتبع الأشخاص، والانشغال بخصوصياتهم أو التقليل من إنجازاتهم.

كما أن من الحكمة أن يحترم الإنسان أصحاب العقول الراقية، وألا يضيق بالنقد الهادف أو النقاش البنّاء، فالعقول العظيمة لا تناقش من أجل الجدل، وإنما تبحث عن الحقيقة وتبتغي الوصول إلى الأفضل.

وفي المقابل، لا ينبغي للإنسان أن يستنزف وقته وطاقته في الالتفات إلى أصوات العقول الصغيرة، التي لا تجد غذاءها إلا في تتبع الناجحين والتشويش على أعمالهم.

أما التوازن الحقيقي، فهو أن يكون الإنسان صاحب عقلٍ عظيم، يحترم الفكر، ويتقبل الحوار، ويزن الآراء بميزان الحكمة والعقل، لا بميزان الضجيج والانفعال.

كاتب رأي

 

 

الدكتور بكري عساس

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى