حين تتحدث الأرقام
حين تتحدث الأرقام
بقلم: د. بكري عساس
شخصياً أجد متعةً كبيرة في التعامل مع الأرقام، وربما يعود ذلك إلى تخصصي في الإحصاء التطبيقي، ذلك العلم الذي يمنح الأرقام لغةً تنطق بالحقائق، ويحوّل البيانات الجامدة إلى مؤشرات تكشف ملامح الحياة وتحولاتها.
وفي زمن الثورة الرقمية، أصبحت الأرقام أكثر حضوراً وتأثيراً في حياة البشر، حتى بات العالم أشبه بقرية صغيرة، تتجاوز فيها المعلومة الحدود والقارات في ثوانٍ معدودة.
فوفقاً لتقرير حديث صادر عن شركة التسويق الرقمي “YR Social”، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في العالم نحو خمسة مليارات شخص، أي ما يعادل قرابة 68% من سكان العالم الذين يناهز عددهم ثمانية مليارات نسمة. كما أشارت تقارير شركة “إريكسون” إلى أن عدد مستخدمي الهواتف المتنقلة حول العالم يقترب من سبعة مليارات مستخدم.
ومع أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتصدر المشهد الرقمي لعقود طويلة، إلا أن دول آسيا وأوروبا باتت اليوم تتقدم بقوة في نسب الاستخدام والانتشار. فقد بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت في آسيا نحو 36% من إجمالي المستخدمين عالمياً، تليها أوروبا بنسبة تقارب 29%.
وتُعد الهند من أكثر الدول نمواً في عدد مستخدمي الإنترنت، حيث تجاوز عدد المستخدمين فيها 720 مليون مستخدم بنهاية عام 2022، وهو ما يمثل نحو نصف عدد سكانها. ومع ذلك، لا تزال الصين تحتفظ بمكانتها كأكبر دول العالم اتصالاً بالإنترنت، إذ تجاوز عدد المستخدمين فيها مليار شخص، من أصل نحو 1.45 مليار نسمة، وفقاً لتقرير مركز معلومات شبكة الإنترنت الصيني.
ومن اللافت أن استخدام الإنترنت لم يعد مقتصراً على فئة الشباب فقط، بل شهدت الفئات العمرية الأكبر توسعاً كبيراً في الاستخدام خلال العقد الأخير، في حين أظهرت بعض الدراسات أن النساء أصبحن أكثر استخداماً لبعض خدمات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي مقارنة بالرجال.
أما على مستوى التطبيقات الرقمية، فقد أظهر التقرير أن مستخدمي تطبيق “تيك توك” يقضون ما معدله 31.5 ساعة شهرياً على التطبيق، متفوقاً على “يوتيوب” الذي جاء ثانياً بمتوسط يقترب من 28 ساعة شهرياً.
وفي المقابل، ورغم تراجع الحديث الإعلامي عن تطبيق “سناب شات”، إلا أن التطبيق سجل نمواً متسارعاً خلال الفترة الأخيرة، حيث ارتفع عدد مستخدميه إلى نحو 750 مليون مستخدم شهرياً حول العالم، بعد أن كان في حدود 600 مليون فقط قبل أقل من عام. كما يظل التطبيق من أكثر المنصات تأثيراً في أسواق الشرق الأوسط، خصوصاً في مجالات التسويق الإلكتروني واستهداف النساء.
أما في عالم التفاعل الرقمي، فتشير الأرقام إلى أن “فيس بوك” يستقبل نحو 41 مليون تعليق في الدقيقة الواحدة حول العالم، بينما ينفق المتسوقون ما يقارب 80 ألف دولار كل دقيقة عبر منصات التجارة الإلكترونية مثل “أمازون” و“إي باي” و“علي إكسبريس”.
وفي جانب الاتصالات الرقمية، يتم إرسال أكثر من 200 مليون رسالة إلكترونية كل دقيقة، فيما تشهد تطبيقات الاتصال المرئي ملايين المكالمات يومياً، بينما يستقبل محرك البحث “غوغل” ملايين الزوار والاستفسارات الجديدة كل دقيقة، في مشهد يعكس مدى التحول الرقمي الذي يعيشه العالم اليوم.
إن الأرقام لم تعد مجرد رموز جامدة، بل أصبحت مرآةً تعكس طبيعة المجتمعات، ومستوى تطورها، واتجاهات البشر في حياتهم اليومية. وكلما تعمق الإنسان في قراءة الأرقام، أدرك أن خلف كل رقم قصة، وخلف كل إحصائية تحولاً يغيّر شكل العالم.
كاتب رأي