*دروس من المواجهة الأمريكية – الإيرانية*
*دروس من المواجهة الأمريكية – الإيرانية*
*قراءة تحليلية .*
لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران مجرد صراع إقليمي محدود، بل غدت اختبارًا مباشرًا لقواعد النظام الدولي وقدرته على ضبط التوازن بين القوة والقانون. وفي هذا السياق، تحوّل مضيق هرمز من ممر حيوي للطاقة إلى ساحة اختبار حقيقية لمدى التزام الدول بحماية شرايين الاقتصاد العالمي وفق قواعد مستقرة لا تقبل الانتقائية.
تضع هذه المواجهة المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية واضحة، إذ تُحمِّل قواعد الأمم المتحدة ومبادئ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الدول واجب صون حرية الملاحة ومنع تهديدها أو توظيفها كأداة ضغط. إن تعطيل الممرات الدولية أو محاولة فرض واقع قسري عليها يرقى إلى مستوى الانتهاك الموجب للمساءلة القانونية الدولية وفق قواعد الملاحة، وهو ما يضع المسؤولية القانونية في إطار لا يقبل التأويل أو التجاوز. وفي هذا الإطار، يظل السلوك المرتبط بالأنشطة المنسوبة إلى الحرس الثوري الإيراني في محيط المضيق أحد أبرز العوامل التي تسهم في تعقيد المشهد ورفع مستوى المخاطر، بما يستدعي تثبيت قواعد ردع قانوني تضمن سلامة الملاحة واستقرار الأسواق العالمية.
ومن زاوية استراتيجية، تؤكد هذه المواجهة أن الردع الفاعل لم يعد قائمًا على القوة العسكرية وحدها، بل على توازن مركب يجمع بين القدرة العسكرية الدقيقة، والغطاء القانوني الواضح، وإدارة الإدراك السياسي والإعلامي. هذا التوازن لا يهدف إلى التصعيد، بل إلى ضبطه وإبقائه ضمن حدود قابلة للتحكم، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قنوات التفاوض مفتوحة. غير أن استدامة هذا التوازن تبقى مرهونة بإرادة دولية قادرة على تحويل القواعد القانونية من نصوص إلى ممارسات ملزمة على الأرض.
وفي قلب هذه المعادلة، يظهر دور مجلس التعاون لدول الخليج العربي بوصفه إطارًا مؤسسيًا قادرًا على تعزيز الاستقرار الإقليمي. فالميثاق الذي تأسس عليه المجلس لا يقتصر على التنسيق السياسي، بل يمتد ليؤسس لتكامل أمني واقتصادي يجعل من أمن دوله كيانًا مترابطًا لا يتجزأ. إن تفعيل هذا الميثاق بصورة عملية يتيح الانتقال من مرحلة التنسيق إلى مرحلة التأثير المباشر في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، بما يعكس نضجًا إستراتيجيًا ينتقل من حماية المصالح إلى التأثير في صياغتها.
لقد أثبتت التطورات أن اللحمة الخليجية وافية للغاية من مبدأ ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التحديات الراهنة وتعزيزا للتعاون في مجالات الأمن البحري وأمن الطاقة، والتكامل الصناعي الدفاعي والتنسيق الدبلوماسي، يشكل منظومة متكاملة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وترسيخ موقع الخليج كفاعل مؤثر في هندسة الاستقرار الدولي. وفي هذا السياق، فإن تجاهل الأصوات الأجنبية المخربة و النشاز التي تحاول التشكيك في جدوى العمل المشترك يظل شرطًا أساسيًا للحفاظ على تماسك الموقف وتعزيز الثقة بين الشعوب والدول.
*في المحصلة، تكشف دروس هذه المواجهة أن الاستقرار لا يصنع بردود الفعل المؤقتة، بل بتطوير منظومات ( دفاعية ) متكاملة تجمع بين الشرعية القانونية، والقدرة الرادعة، والإرادة السياسية المشتركة. وعندما تحسن الدول توظيف هذه العناصر ضمن إطار مؤسسي متماسك، فإنها لا تكتفي بحماية حاضرها، بل تصوغ ملامح الاستقرار ولا تكتفي بالتكيف معه .*
*الاستقرار لا يصنعه ميزان القوة وحده… بل تصنعه إرادة مشتركة تلتزم بالقانون وتحسن توظيف القوة .*
كتبه ؛
اللواء البحري الركن / المتقاعد/
عبدالله بن سعيد الغامدي
*الخميس ( 7 ) مايو 2026 م .*
