كُتاب الرأي

*تباين منضبط في واشنطن… وتذبذب مُكلف في طهران*

*تباين منضبط في واشنطن… وتذبذب مُكلف في طهران*

*قراءة تحليلية*

ترتفع وتيرة الحرب المعلوماتية مع كل جولة تصعيد، وتزداد معها محاولات الخلط بين مشهدين مختلفين جذريا في بنية القرار. بعض الخطابات تسعى إلى مساواة ما يجري داخل الولايات المتحدة بما يحدث داخل إيران، لكن الوقائع تشير إلى مسارين متباينين في إدارة الصراع.

في واشنطن، تظهر تغطيات The New York Times وThe Washington Post وThe Wall Street Journal نقاشات حادة داخل الإدارة حول حدود التصعيد وكلفته. هذه النقاشات تعكس تباينا في التقدير الاستراتيجي داخل إطار دستوري واضح، حيث يوازن النظام بين صلاحيات التنفيذ والرقابة. القيادة السياسية تدير الخلاف، ثم تحسم القرار ضمن مؤسسات راسخة. هذا المسار لا يشير إلى انقسام، بل إلى حيوية مؤسسية تُحسن القرار وتمنحه شرعية التنفيذ.

في المقابل، يفرض المشهد الإيراني سياقا مختلفا. تعدد مراكز التأثير وتباين الرسائل يخلقان حالة تذبذب في الموقف التفاوضي. طهران ترفض شروطا ثم تعود لمناقشتها، وتؤجل جولات ثم تعلن استعدادا مشروطا للعودة. هذا السلوك لا يربك الخصم فقط، بل يعطل فرص التقدم ويستنزف الوساطة بشكل مباشر ويقوض الثقة في أي مسار تفاوضي.

هنا يبرز دور باكستان التي تحملت عبء الوساطة منذ الأسابيع الأولى للحرب. القيادة الباكستانية كثفت اتصالاتها السياسية والعسكرية، واستضافت جولات متعددة لتقريب وجهات النظر. لكن التذبذب الإيراني أطال أمد الجهود، واستنزف الزخم الدبلوماسي، وخلق حالة من الإجهاد التفاوضي لدى الوسيط.

الانعكاس لم يقتصر على الغرف المغلقة. على منصات التواصل في باكستان، تصاعدت موجة سخط شعبي تنتقد سلوك طهران وتتهمه بتعطيل فرص التهدئة. أصوات واسعة رأت أن إيران تستهلك وقت الوساطة دون التزام واضح، وأن هذا النهج يضع باكستان أمام مخاطر غير مباشرة تتعلق بالاستقرار الإقليمي، وسلامة الممرات، وتداعيات اقتصادية محتملة.

في هذا السياق، يظهر خطاب الرئيس الأمريكي/ Donald Trump منسجما مع نهج “المسار المزدوج”: ضغط ميداني واقتصادي مستمر، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا دون ربطه بجدول زمني ملزم. هذا النهج يراهن على أن القوة تفرض شروطها، وأن الاتفاق يأتي لاحقا لتثبيت واقع تحقق بالفعل.

الفارق بين المشهدين واضح. الولايات المتحدة تدير خلافاتها داخل مؤسسات راسخة تضبط المسار وتحكم القرار بثبات واتساق وتنتج قرارا موحدا. إيران تُظهر تعددية في المواقف تُبطئ القرار وتُضعف الثقة. الأولى تحول التباين إلى أداة تحسين، والثانية تُحوّل التذبذب إلى كلفة سياسية ودبلوماسية.

*الخاتمة*

*الدول القوية لا تمنع الاختلاف… بل تحسن إدارته، ومن يعجز عن ذلك يدفع كلفة قراره.*

كتبه:
اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق في باكستان

*التاريخ:*
*الجمعة،( 24 ) / أبريل 2026 .*

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

كاتب رأي - ملحق عسكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى