كُتاب الرأي

*مأزق القوة… حين تربح المعركة وتخسر المخرج*

*مأزق القوة… حين تربح المعركة وتخسر المخرج*

منذ عام 1979، أعادت إيران صياغة سياستها الخارجية على قاعدة توسيع النفوذ وتعزيز الحضور الإقليمي لم تكتفِ بخطاب ثوري سياسي يتبنى نهجًا هجوميًا واضحًا ، بل دعمت جماعات إرهابية وجاسوسية تخريبية مسلحة وأذرعًا غير نظامية، وصنّف بعضها كمنظمات إرهابية في عدد من الدول، وبنت شبكات تأثير داخل بؤر الأزمات. هذا النهج رفع مستوى التوتر وزاد من عدم الاستقرار في عدد من الدول العربية، ولا سيما في دول الخليج العربي، .

أعتمدت طهران أدوات متعددة بشكل منهجي لترسيخ حضورها؛ موّلت ودرّبت، ووسّعت ارتباطاتها في بؤر الأزمات، وربطت أمن الإقليم بحساباتها الاستراتيجية. هذه السياسات وسّعت دوائر الصراع ورفعت كلفة الاستقرار على الجميع. وفي الوقت ذاته، ترى طهران أن هذه السياسات تندرج ضمن حماية مصالحها الاستراتيجية، وهو ما يضيف بعدًا تعقيديًا لا يلغي النتائج الواقعية على الأرض.

في مواجهة ذلك، عززت المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي نهج العمل المشترك، ورفعت مستوى التنسيق الأمني والدفاعي .
وفي ظل التزام المملكة بنهج التوازن وعدم التصعيد، عملت على ترسيخ الاستقرار الإقليمي عبر منظومات ردع متوازنة تحمي أمن المنطقة ومصالحها الحيوية.

غير أن الأزمة الراهنة كشفت بعدًا أعمق يتمثل في مأزق القوة لدى الولايات المتحدة الأمريكية . فقد نجحت واشنطن في فرض بيئة ضغط واسعة عبر الحصار البحري، واستهداف سلاسل الإمداد، والضغط الاقتصادي المتراكم. هذه الأدوات أعادت تشكيل ميزان القوة، وضيّقت هامش المناورة أمام طهران، لكنها فتحت سؤالًا أكثر تعقيدًا: كيف تنهي واشنطن هذا الصراع دون أن تنزلق إلى استنزاف مفتوح؟

الإشكالية لا تكمن في القدرة على التصعيد، بل في القدرة على التراجع المنضبط. فكلما رفعت واشنطن مستوى الضغط، تقلّصت خيارات الخروج، وأصبح أي تراجع—حتى لو كان تكتيكيًا—يفسر على أنه ضعف لا مرونة. ومن هنا يظهر التناقض في الخطاب الأمريكي، بين الدعوة إلى التفاوض، والتلويح بمزيد من التصعيد.

القوة التي أمسكت بزمام المبادرة العملياتية في مسار المواجهة… تجد نفسها اليوم أسيرة هذا المسار.

في المقابل، تدرك طهران هذه المعضلة، وتتعامل معها بوصفها فرصة لنقل العبء السياسي إلى الطرف الآخر؛ فهي ترفض أي وقف لإطلاق النار مع استمرار الحصار، وتؤكد أن الضغط الاقتصادي لا يقل أثرًا عن العمل العسكري. بهذه القراءة، لا تسعى إيران فقط إلى تخفيف الضغط، بل إلى إطالة زمن الصراع بما يضع واشنطن أمام اختبار الاستنزاف.

وهنا تتغير طبيعة المواجهة؛ لم يعد السؤال من الأقوى، بل من الأقدر على إدارة الزمن السياسي للصراع. فالحروب التي تفتقر إلى نقطة خروج واضحة تتحول إلى أعباء استراتيجية، حتى لو حققت نجاحات ميدانية. ويؤكد التاريخ الحديث أن غياب رؤية ما بعد الصراع يقود إلى تعقيد المشهد بدل حسمه.

في هذا السياق، تبرز الوساطات الإقليمية، وعلى رأسها الشقيقة باكستان، كمسار يوفر غطاءً دبلوماسيًا يخفف التوتر دون خسارة مباشرة لأي طرف. كما يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية حماية استقرار الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا للاقتصاد العالمي؛ وأي اضطراب فيه يتجاوز حدود الإقليم.

في النهاية، تكمن المفارقة في أن سياسات توسيع النفوذ أسهمت في خلق بيئة صراع مستمر، بينما أدت محاولات كبح هذا النفوذ بالقوة إلى مأزق استراتيجي للطرف المقابل. وبين هذين المسارين، تقف المنطقة على حافة توازن دقيق يتطلب إعادة تعريف قواعد الاشتباك، والانتقال من منطق الإكراه إلى منطق التوازن المستدام.

الخلاصة .

لا يتحقق الاستقرار بفرض الوقائع بالقوة وحدها، بل بتغيير السلوك الذي يولّد الأزمات. وأي تسوية قابلة للحياة تتطلب مراجعة صريحة للنهج الذي غذّى الصراع، وبناء توازن يحمي أمن المنطقة ويصون مصالحها الحيوية .

كتبه؛ اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق في باكستان
الخميس (23) أبريل 2026م .

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

كاتب رأي - ملحق عسكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى