كُتاب الرأي

*إيران ومضيق هرمز… دروس التاريخ في فعالية الحصار البحري*

*إيران ومضيق هرمز… دروس التاريخ في فعالية الحصار البحري*

في قلب الخليج، يقف مضيق هرمز بوصفه أحد أكثر الممرات حساسية في الاقتصاد العالمي. تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط، ما يجعله شريانًا لا يخص دولة بعينها، بل منظومة الطاقة الدولية بأكملها. ومع كل تصعيد في التوترات الإقليمية، يعود السؤال ذاته: هل يمكن أن يتحول هذا المضيق إلى أداة حسم عبر الحصار أو الإغلاق؟

*التجارب التاريخية تقدم إجابة أكثر تعقيدًا*. خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وما عُرف بـ {حرب الناقلات}، تعرضت السفن لهجمات متكررة وارتفعت المخاطر بشكل كبير، إلا أن الملاحة لم تتوقف بالكامل. تدخلت قوى دولية لحماية خطوط الإمداد، واستمرت حركة النفط، ولو بكلفة أعلى. هذا النمط تكرر في أزمات لاحقة، حيث بقي التهديد قائمًا، لكن الإغلاق الشامل ظل خيارًا مؤجلًا.

*تكشف هذه السوابق عن معادلة واضحة*: الإغلاق الكامل للمضيق يفرض كلفة تتجاوز قدرات أي طرف منفرد. فالممر ليس مجرد نقطة جغرافية، بل ممر دولي تتداخل فيه مصالح قوى كبرى ودول مستهلكة للطاقة، وينعكس أي اضطراب فيه مباشرة على كلفة الطاقة العالمية. كما أن إيران نفسها ترتبط بهذا الشريان الحيوي، ما يجعل تعطيله الشامل خطوة تحمل انعكاسات مباشرة على اقتصادها.

في المقابل، يبرز نمط أكثر فاعلية: الضغط البحري الجزئي. لا يقوم هذا الأسلوب على إيقاف الملاحة، بل على إعادة تعريف بيئتها. يكفي رفع مستوى المخاطر، أو تنفيذ اعتراضات محدودة، أو توجيه رسائل أمنية محسوبة، حتى ترتفع كلفة التأمين والشحن، وتدخل الأسواق في حالة ترقب. في هذا السياق، يتحول المضيق من ممر عبور إلى أداة تأثير مستمر دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

هذا التمييز بين {*الإغلاق*} و {*الضغط*} يفسر سلوك الأطراف في الأزمات المتكررة. فالإغلاق الشامل يدفع نحو مواجهة يصعب التحكم في مسارها، بينما يتيح الضغط التدريجي تحقيق مكاسب ملموسة مع الحفاظ على هامش مناورة. لذلك تميل طهران إلى استخدام التهديد ذاته كأداة قائمة بذاتها، حيث ينعكس مجرد التصعيد اللفظي أو الإشارات الميدانية سريعًا على أسعار الطاقة وتوقعات الأسواق.

ومع ذلك، يرتبط مصدر التهديد المتكرر لسلامة الملاحة بسلوك النظام في إيران، الذي استخدم المضيق كأداة ضغط سياسية وأمنية في أكثر من مرحلة. ويبرز هنا التباين مع نهج سلطنة عمان على الضفة المقابلة، حيث حافظت على التزام ثابت بأمن الملاحة الدولية، ولم ترتبط سياستها بأي تهديد مباشر لسلامتها، ما يعكس اختلافًا جوهريًا في إدارة هذا الممر الحيوي.

*في السياق الراهن*، تعيد التوترات إنتاج النمط ذاته: تصعيد محسوب، وضغوط على خطوط الإمداد، دون بلوغ نقطة الإغلاق الكامل. ويعكس ذلك إدراكًا متبادلًا بأن الحصار الجزئي أكثر فاعلية من الإغلاق الشامل، لأنه يحقق التأثير المطلوب دون تحمل تبعاته القصوى.

*الخلاصة أن مضيق هرمز لا يعمل كسلاح إغلاق بقدر ما يعمل كأداة إدارة للضغط. ومن يراهن على إغلاقه الكامل يغامر بتوسيع نطاق المواجهة إلى ما يتجاوز قدرته على السيطرة. أما من يستخدمه لرفع مستوى القلق في الأسواق، فإنه يمارس نفوذًا ملموسًا، لكنه يواجه في المقابل تحديًا متزايدًا في الحفاظ على إستقرار هذا النفوذ على المدى الطويل.*

كتبه؛ اللواء البحري الركن / المتقاعد .
عبدالله بن سعيد الغامدي
*- الثلاثاء (21) أبريل (2026م) – .*

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

كاتب رأي - ملحق عسكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى