في ظلال المشهد المسرحي

سراب المسرح التعليمي ..

سراب المسرح التعليمي ..

لم يعد المسرح مجرد فن يُعرض على الخشبة، بل أصبح في الفكر التربوي الحديث أداة تعليمية قادرة على إحياء المعرفة وتحويلها من معلومات جامدة إلى تجربة إنسانية نابضة؛ فالمسرح التعليمي ليس نشاطًا ترفيهيًا هامشيًا، بل وسيلة فعالة لبناء اللغة، وتعزيز التواصل، وتنمية الشخصية، ومع ذلك، يبدو هذا التصور في كثير من مؤسساتنا التعليمية أقرب إلى “سراب” جميل… يُرى في الخطط والوثائق، لكنه لا يُلمس في الواقع.

إن المسرح بطبيعته يجمع بين الكلمة والحركة، بين الفكر والتجربة، وهذا ما يجعله من أقوى أدوات تعليم اللغة. فالطالب لا يتعلم المفردات من خلال الحفظ، بل من خلال الاستخدام؛ ولا يتقن التعبير عبر التلقين، بل عبر الممارسة. حين يقف الطالب على الخشبة، فإنه لا يؤدي دورًا فقط، بل يعيش اللغة، يشعر بها، ويستخدمها في سياق حيّ. وهنا تتحول اللغة من مادة دراسية إلى أداة تواصل حقيقية، ويتحول الصف إلى فضاء حيّ تتفاعل فيه الأفكار بدل أن تُلقّن.

لكن، رغم هذه الإمكانات الهائلة، يواجه المسرح التعليمي فجوة واضحة بين النظرية والتطبيق. فالكثير من المؤسسات التعليمية تفتقر إلى أبسط مقومات هذا الفن، بدءًا من غياب المسارح أو المساحات المهيأة للعروض، وصولًا إلى غياب الرؤية التي تضع المسرح ضمن العملية التعليمية بشكل فعّال.
السؤال كيف يمكن أن نطالب بتفعيل المسرح، ونحن لا نوفر له مكانًا يعيش فيه؟
والإجابة على ذلك أن الأمر لا يقف عند حدود البنية التحتية، بل يتجاوزها إلى ضعف الاهتمام بالنشاط المسرحي بوصفه عنصرًا أساسيًا في بناء الطالب. فالمسرح في كثير من المدارس يُعامل كنشاط ثانوي، يُمارس على هامش الجدول، لا كجزء من المنهج. هذا التهميش ينعكس على مستوى الممارسة، فيغيب التخطيط، ويضعف التدريب، ويتحول المسرح إلى نشاط موسمي، مرتبط بالمناسبات لا بالتعليم المستمر.

ويزداد هذا الإشكال وضوحًا حين نلحظ أن بعض تفعيل المسرح يأتي في صورة تعاميم مرتبطة بمناسبات معينة، فتُنفّذ العروض بوصفها “تحصيل حاصل” لا بوصفها تجربة فنية وتعليمية متكاملة. في مثل هذه الحالات، يغيب العمق، وتضعف المهارة، ويتراجع مستوى الإنتاج، لأن الهدف يصبح إنجاز المهمة لا تحقيق القيمة. وهنا يتحول المسرح من أداة لبناء الطالب إلى نشاط شكلي يفتقر إلى الروح.

كما أن غياب المقررات المنظمة للمسرح التعليمي يمثل عائقًا كبيرًا. فحين لا يكون هناك إطار منهجي واضح، تصبح الجهود فردية ومحدودة، تعتمد على اجتهاد المعلم أو حماسه الشخصي، لا على نظام تعليمي مستقر. وهنا يفقد المسرح استمراريته، ويتحول إلى تجربة عابرة بدل أن يكون مسارًا تربويًا متكاملًا.

ولا يمكن إغفال دور المجتمع في هذه المعادلة. فضعف الوعي بأهمية المسرح التعليمي، سواء في البيت أو في المجتمع أو حتى لدى بعض الجهات التعليمية، يجعل هذا الفن محاطًا بسوء الفهم. فالبعض ينظر إليه كترفيه زائد، أو مضيعة للوقت، دون إدراك لدوره في تنمية الثقة بالنفس، وتعزيز مهارات الحوار، وبناء الشخصية المتوازنة.

ومع ذلك، فإن الواقع الخليجي—رغم هذه التحديات—قدّم نماذج تؤكد أن المسرح التعليمي ليس مستحيلًا، بل ممكن حين تتوفر الإرادة والرؤية. ففي الكويت، برزت تجارب المسرح المدرسي ومسرح الطفل، حيث قُدّمت أعمال مثل “مدينة الأحلام” و“رحلة العجائب”، التي جمعت بين المتعة والرسالة التربوية، وأسهمت في تنمية خيال الطفل وتعزيز لغته. كما قدّم عبدالعزيز المسلم أعمالًا مزجت بين الخيال والقيم بأسلوب فني جذاب، مما يؤكد أن التعليم يمكن أن يكون ممتعًا دون أن يفقد عمقه.

وفي الإمارات العربية المتحدة، أسهمت مبادرات وزارة التربية والتعليم الإماراتية في تفعيل المسرح المدرسي وتنمية مهارات الطلبة في التعبير والتواصل والعمل الجماعي، بينما يبرز في سلطنة عمان مهرجان المسرح المدرسي بوصفه منصة تربوية تتيح للطلبة التعبير عن قضاياهم عبر الفن، وتغرس فيهم روح الإبداع والمشاركة. كما يشهد المملكة العربية السعودية حضورًا متناميًا للمسرح ضمن الفعاليات الثقافية، مما يفتح آفاقًا مهمة لربط التعليم بالمشهد المسرحي الأوسع.

وعالميًا، تتجذر التجربة بشكل أكثر وضوحًا، حيث تُستخدم الدراما التعليمية في مدارس المملكة المتحدة ضمن مناهج معتمدة، وتُطبق في الولايات المتحدة برامج “Theatre in Education” التي تقوم على التفاعل المباشر داخل الصف، بحيث يصبح الطالب جزءًا من الحدث، لا مجرد متلقٍ له. وهذه النماذج تؤكد أن المسرح حين يُدمج بشكل منهجي، يتحول إلى أداة تعليمية عميقة التأثير.

غير أن هذه التجارب، على أهميتها، تظل في بيئتنا محاولات متفرقة أكثر من كونها مشروعًا متكاملًا، وهو ما يعيدنا إلى السؤال الجوهري: كيف نحول المسرح التعليمي من فكرة إلى واقع؟ وكيف نجعل التعليم تجربة تُعاش لا مادة تُحفظ؟

إن الإجابة تبدأ بإعادة تعريف المسرح داخل المؤسسة التعليمية، لا بوصفه نشاطًا إضافيًا، بل كوسيلة تعليمية موازية للكتاب. فالمسرح يمكن أن يدخل في تدريس اللغة والتاريخ والقيم، بل وحتى العلوم، من خلال تحويل الدروس إلى مشاهد تمثيلية تفاعلية تجعل الطالب جزءًا من الحدث لا متلقيًا له. كما أن تدريب المعلمين على توظيف المسرح في التعليم يمثل خطوة أساسية، لأن المعلم هو محور التحول الحقيقي، وكلما امتلك أدوات الأداء والتعبير، استطاع أن يحوّل الصف إلى مساحة حية مليئة بالتفاعل.

كما يتطلب التفعيل الحقيقي بناء ثقافة مسرحية مدرسية تقوم على الاستمرارية، من خلال إنشاء فرق طلابية، وتنظيم عروض دورية، وربطها بفعاليات ثقافية أوسع، بما يعزز الدافعية ويخلق بيئة تعليمية نابضة بالحياة. ولا يشترط نجاح المسرح وجود خشبة متكاملة بقدر ما يتطلب إيمانًا بالفكرة؛ فزاوية صف أو ساحة مدرسة يمكن أن تتحول إلى فضاء مسرحي إذا حضر الإبداع.

ويبقى التكامل المؤسسي عنصرًا حاسمًا، إذ يمكن للشراكة بين وزارة الثقافة السعودية ووزارة التعليم السعودية أن تمثل نقطة تحول حقيقية، من خلال الجمع بين البيئة التعليمية والخبرة المسرحية، وتوفير التدريب، ودعم الإنتاج، وبناء بنية تحتية قادرة على احتضان هذا الفن.

في النهاية، لا تكمن مشكلة المسرح التعليمي في غياب الفكرة، بل في غياب المنظومة التي تحوّل هذه الفكرة إلى واقع. فحين يكون المسرح حاضرًا في الخطط، وغائبًا في التطبيق، فإنه يتحول إلى “سراب تربوي”. أما حين تتكامل البنية، ويتوافر التدريب، ويُبنى الوعي، فإنه يصبح أداة قادرة على إعادة تشكيل تجربة التعلم، وجعلها أكثر عمقًا وحيوية.

وحين ندرك أن الطالب لا يتعلم بعقله فقط، بل بجسده وصوته ومشاعره، سنفهم أن المسرح ليس ترفًا تربويًا… بل ضرورة.
أخيرا همسة في أذن وزارة التعليم فعلوا المسارح لتوكبوا النهضة الثقافية ..

د. عبدالرحمن الوعلان

 

الدكتور عبدالرحمن الوعلان

كاتب رأي ومسرح ومعد برامج ومشرف في ظلال المشهد المسرحي وخبر عاجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى