في ظلال المشهد المسرحي

بناء الشخصية المسرحية..

بناء الشخصية المسرحية..

ليست الكتابة المسرحية مجرد صياغة حوار أو ترتيب أحداث، بل هي في جوهرها عملية خلق إنسان. فالشخصية المسرحية ليست اسمًا في نص، ولا صوتًا ينطق على الخشبة، بل كيان حيّ ينبض بالفكر والمشاعر والتناقضات. وكلما كانت الشخصية أكثر عمقًا وتعقيدًا، كان العمل المسرحي أكثر قدرة على التأثير والبقاء.
إن السؤال الحقيقي الذي يواجه الكاتب المسرحي ليس: ماذا ستفعل الشخصية؟ بل: من هي هذه الشخصية؟ كيف تفكر؟ ماذا تخفي؟ ولماذا تتصرف كما تتصرف؟ فالفعل المسرحي لا ينفصل عن البنية النفسية للشخصية، بل ينبع منها، وهذا ما يجعل بناء الشخصية هو الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء آخر.
تبدأ صناعة الشخصية من فهم جوهر الإنسان نفسه؛ فالإنسان ليس كائنًا بسيطًا أو خطيًا، بل هو مزيج من الرغبات والمخاوف، من القيم والتناقضات، من النور والظل. ولذلك فإن الشخصية المسرحية الناجحة لا تكون مثالية خالصة ولا شريرة مطلقة، بل تحمل داخلها صراعًا يجعلها قريبة من الواقع وقابلة للتصديق. وهذا ما نراه بوضوح في شخصية هاملت في مسرحية هاملت لـ ويليام شكسبير، حيث لا نستطيع أن نصنّفه بطلاً تقليديًا، فهو متردد، مفكر، ممزق بين الانتقام والضمير، وهذا التعقيد هو سر خلوده.
في النماذج التقليدية، كانت الشخصيات تُبنى على ثنائية واضحة: بطل يمثل الخير، وخصم يمثل الشر. لكن المسرح الحديث تجاوز هذه البساطة، وبدأ في تقديم ما يُعرف بالشخصية “الرمادية”، وهي الشخصية التي يصعب الحكم عليها بشكل قاطع. فهي قد ترتكب الخطأ بدافع نبيل، أو تفعل الخير لأسباب أنانية. ويمكن أن نرى ذلك في شخصية “نورا” في مسرحية بيت الدمية لـ هنريك إبسن، التي تبدو في البداية زوجة بسيطة، لكنها تخفي سرًا أخلاقيًا معقدًا، وتتحول تدريجيًا إلى شخصية متمردة تبحث عن ذاتها، مما يجعلها نموذجًا حيًا للشخصية المتحولة.
إن بناء الشخصية المركبة يتطلب من الكاتب أن يمنحها تاريخًا داخليًا، حتى وإن لم يُذكر كله في النص. فلكل شخصية ماضٍ يشكل حاضرها: تجارب، علاقات، جروح، أحلام مؤجلة. هذا “التاريخ الخفي” هو الذي يفسر سلوكها ويمنحها مصداقية. ويظهر هذا بعمق في مسرحيات أنطون تشيخوف، مثل بستان الكرز، حيث تبدو الشخصيات هادئة ظاهريًا، لكنها تحمل في داخلها عوالم كاملة من الحنين والانكسار والتردد.
كما أن الصراع يُعدّ العنصر الأهم في إحياء الشخصية. فالشخصية القوية هي التي تعيش حالة شدّ بين ما تريد وما يجب، بين رغبتها وخوفها، بين صورتها أمام الآخرين وحقيقتها في الداخل. ويتجلى ذلك بوضوح في شخصية “ماكبث” في مسرحية ماكبث، حيث يتحول الطموح إلى لعنة، ويكشف الصراع الداخلي كيف يمكن للإنسان أن يسقط تحت ضغط رغباته.
ولا يمكن إغفال دور اللغة في تشكيل الشخصية. فكل شخصية تمتلك صوتها الخاص، وطريقتها في التعبير، وهو ما يظهر بوضوح في مسرح برتولت بريخت، حيث تُستخدم اللغة لخلق وعي نقدي لدى المتلقي، لا مجرد اندماج عاطفي.
وعندما ينتقل النص من الورق إلى الخشبة، يبدأ الممثل في إحياء هذه الشخصية، مستندًا إلى عمقها المكتوب، وهو ما أكد عليه منهج ستانسلافسكي، الذي يدعو إلى فهم الدوافع الداخلية للشخصية والعيش داخلها.
أما بناء الشخصية في المسرح العربي؛ فلم يكن المسرح العربي بعيدًا عن هذا التطور، بل قدّم نماذج ثرية في بناء الشخصيات، جمعت بين البعد الفكري والواقعي والرمزي، وعكست تحولات المجتمع العربي وهمومه.
يُعد توفيق الحكيم من أبرز من اشتغلوا على بناء الشخصية الفكرية، حيث لا تكون الشخصية مجرد فرد، بل حاملًا لفكرة. ففي مسرحية أهل الكهف، نجد شخصيات تعيش صراع الزمن والوجود، فتتحول من شخصيات تاريخية إلى رموز فلسفية تبحث عن معنى الحياة، مما يمنحها بعدًا إنسانيًا يتجاوز الحدث.
أما سعد الله ونوس، فقد قدّم شخصيات تعيش داخل صراع سياسي واجتماعي حاد. في مسرحية حفلة سمر من أجل 5 حزيران، تتحول الشخصيات إلى أصوات ناقدة تكشف الهزيمة والانكسار، حيث لا تكون الشخصية فردًا فقط، بل تمثيلًا لوعي جماعي مأزوم.
وفي تجربة يوسف إدريس، نجد اهتمامًا بالشخصية الواقعية القريبة من الناس، حيث تنبض الشخصيات بالحياة اليومية، وتحمل بساطتها الظاهرية عمقًا إنسانيًا كبيرًا، كما في مسرحية الفرافير، التي تقوم على ثنائية السيد والخادم، لكنها تكشف بنية اجتماعية معقدة من خلال شخصيات تبدو بسيطة.
كما برز عبد الرحمن منيف في تقديم شخصيات تعكس التحولات السياسية والاقتصادية، حيث تتشكل الشخصية من علاقتها بالسلطة والواقع، مما يمنحها بعدًا نقديًا واضحًا.
ويتميّز المسرح العربي عمومًا بقدرته على المزج بين الرمز والواقع، حيث قد تبدو الشخصية عادية، لكنها تحمل دلالات أعمق تتصل بالهوية، والسلطة، والحرية، والانتماء. وهذا ما يجعل بناء الشخصية في المسرح العربي مرتبطًا ليس فقط بالفن، بل أيضًا بالسياق الثقافي والاجتماعي.
خلاصة القول ؛ أن بناء الشخصية المسرحية هو فن خلق الحياة داخل النص. فليست القضية في أن نكتب “شخصية”، بل في أن نكتب “إنسانًا” بكل ما فيه من تعقيد وتناقض. من شكسبير إلى المسرح العربي، تظل الشخصية هي المحور الذي يدور حوله العمل، وهي الجسر الذي يصل بين النص والجمهور.
وعندما تنجح الشخصية في أن تكون صادقة، عميقة، ومليئة بالصراع، فإنها لا تعيش على الخشبة فقط… بل تستمر في الذاكرة، وتتحول إلى تجربة إنسانية لا تُنسى.

بقلم. د. عبدالرحمن الوعلان

 

 

 

الدكتور عبدالرحمن الوعلان

كاتب رأي ومسرح ومعد برامج ومشرف في ظلال المشهد المسرحي وخبر عاجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى