لحظات الوداع
لحظات الوداع
يقولون إن الوداع مجرد لحظة عابرة، لكنه في الحقيقة ضياع يسكن الخطوات ويُثقلها. هو تلك اللحظة التي نتمنى فيها لو تتوقف عقارب الساعة، لنختلس نظرات أخيرة نحفر بها ملامح من نحب في أعماق قلوبنا. لطالما آمنت بضرورة الوداع رغم مرارته؛ فصحيح أنها لحظات مؤلمة تفيض فيها الدموع، لكنني أشعر بعدها بالرضا لأنني ودّعت من أحب. لا أتفهم من يكره الوداع ويتهرب منه، فإذا كان الوداع مُرّاً، فإن عدم توديع من تحب أمَرُّ وأقسى، لذا كنت دائماً أحرص الحضور وفي داخلي لهفة لحضن أخير.
وفي كل مرة يشدُّ الأحبة رحالهم عائدين إلى ديارهم، لا يرحلون وحدهم؛ بل يسحبون معهم ضوءاً خفياً كان يملأ أركان المكان. ومع إغلاق آخر باب خلفهم، تهبُّ علينا وحشة مباغتة، كأنَّ الجدران التي كانت تضجُّ بالضحكات قد استعارت فجأة من الصمت، وكأن البيت قد استحال إلى سكون مترقب، ينصت لخطواتهم التي غابت. صمتٌ مليء بالأسئلة المعلقة، وبقايا أحاديث لم تكتمل؛ فتصبح الديار على سعتها ضيقة باهتة، ويفقد الأمان ألفته، فنشعر وكأننا غرباء في أماكننا التي نعرفها.
كيف لنا أن نعود لذلك المسار الرتيب؟ ذلك الذي كنا نسلكه بيسر، فغدا بعدهم حملاً ثقيلاً لا تقوى الروح على حمله. كيف لنا أن نرتّب صباحاتنا الباردة، وقد كانت حكاياتهم هي من تمنح للوقت معناه؟ وكيف لليل أن يمر بسلام دون أحاديث ما قبل النوم أو طقوس العشاء سوياً؟ نجد أنفسنا عالقين في “منطقة رمادية”؛ فلا نحن قادرون على استعادة حياتنا كما كانت، ولا نحن نملك القوة لتجاوز غيابهم.
وعلى الرغم من قسوة ذلك الانتزاع، يبقى أمل اللقاء هو الضماد الوحيد؛ فهو ذلك الوميض البعيد الذي يهمس لنا في ظلمة الغياب بأنَّ الوجوه التي استوطنت أرواحنا، لا يمكن للقدر أن يذريها في مهبِّ النسيان. نحن لا نودعهم لنطوي صفحتهم، بل تمهيداً لعناق أزليٍّ يُرمّم ما أفسده الغياب في قلوبنا.
✍🏻 عالية تركي الشريف