أقلام ناشئة

لحظات لايشبهها شيء

لحظات لايشبهها شيء

هناك لحظات لا تشبه غيرها، لحظات يتغير فيها كل شيء دون سابق إنذار، لحظات تقف فيها الحياة قليلًا وكأنها تعجز عن الاستمرار كما كانت. حين نفقد شخصًا عزيزًا ندرك فجأة أن بعض الأشخاص لم يكونوا مجرد عابرين في أيامنا، بل كانوا جزءًا من تفاصيلها الدقيقة، من ضحكاتنا، من دعواتنا، من تلك الأشياء الصغيرة التي لم نكن نظن أنها ستصبح يومًا ذكرى نعيش عليها.

الفقد ليس مجرد غياب، بل فراغ واسع لا يُرى، لكنه يُشعر في كل زاوية من زوايا الحياة. هو الصمت الذي يأتي بعد صوت اعتدناه، وهو الأماكن التي تبقى كما هي، لكننا لا نعود نشعر بها كما كانت. كل شيء يبدو مألوفًا إلا نحن، كأن جزءًا منا رحل معهم وترك في داخلنا مساحة لا يملؤها أحد.

في البداية تكون الصدمة، نحاول أن نفهم، أن نستوعب، أن نقنع أنفسنا بأن ما حدث حقيقة، لكن القلب يرفض. نبحث عنهم في كل شيء، في الوجوه، في الأماكن، في تفاصيل الأيام، وكأننا نأمل أن يظهروا فجأة أو أن يكون كل ما حدث مجرد حلم عابر.

ثم يأتي الحزن عميقًا وثقيلًا، لا يطرق الباب بل يدخل دون استئذان، يزورنا في لحظات غير متوقعة، في كلمة عابرة، في موقف يشبههم، في دعاء كانوا يرددونه. يعود الألم وكأنه في أول يوم، وتعود معه تلك الغصة التي لا توصف.

لكن وسط هذا الألم يبدأ شيء آخر بالتشكل: الصبر.
بهدوء، دون أن نشعر، نتعلم كيف نحمل هذا الحزن داخلنا دون أن يُنهينا، نتعلم أن الفقد لا يعني النهاية، بل بداية علاقة مختلفة، علاقة لا تقوم على اللقاء بل على الذكرى والدعاء.

ندرك أن من نحبهم لا يختفون تمامًا، بل يبقون فينا، في أثرهم، في كلماتهم، في القيم التي زرعوها داخلنا. في كل موقف نتصرف فيه كما كانوا سيفعلون، يصبح حضورهم مختلفًا، لكنه لا يغيب.

نرفع أيدينا إلى الله وندعو لهم بالرحمة والمغفرة، فنشعر بشيء من الطمأنينة يتسلل إلى قلوبنا، وكأن الدعاء يصل إليهم، وكأن الرابط بيننا لم ينقطع، بل تغير شكله فقط وأصبح أعمق.

ومع مرور الأيام لا يختفي الحزن تمامًا، لكنه يصبح أهدأ، أقل قسوة. نتعلم كيف نتعايش معه، كيف نحمله دون أن يكسرنا، وكيف نحوّل الدموع إلى دعاء، والاشتياق إلى أمل. نتذكرهم أحيانًا بدمعة، وأحيانًا بابتسامة، وكلاهما حب.

ندرك حينها أن الحياة لا تتوقف رغم كل ما نشعر به، وأن من نحبهم كانوا جزءًا جميلًا منها، وسيبقون كذلك مهما طال الغياب. وأن أجمل ما نقدمه لهم بعد رحيلهم هو الدعاء، وأن نعيش حياة ترضي الله، وأن نحمل أثرهم الطيب في تعاملاتنا مع الآخرين.

فالفقد رغم قسوته يعلّمنا الكثير،
يعلّمنا أن نقدّر من حولنا أكثر، أن نعبّر عن محبتنا قبل أن يفوت الأوان، أن نتمسك باللحظات الجميلة؛ لأننا لا نعلم متى تصبح ذكرى.

وفي أعماق هذا الألم يبقى إيمان هادئ لا يتزعزع،
أن اللقاء ليس مستحيلًا، بل مؤجل،
وأن الله سيجمعنا بهم يومًا في مكان لا فراق فيه ولا حزن ولا ألم.

وحتى ذلك الحين،
سنبقى نحبهم بصمت، وندعو لهم كثيرًا، ونعيش بما يرضي الله، وكأنهم يروننا.

✍🏻تالين صالح هوساوي

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى