من يحمي الضحايا؟
من يحمي الضحايا؟
تستوقفنا كثيراً مشاهد لمؤسسات تتخذ من شوارعنا التجارية مقراً لها، تبرم العقود، تستلم الدفعات، ثم تدخل في دوامة من “المشاكل التشغيلية” التي لا تنتهي، مخلفةً وراءها مشاريع معطلة وأحلاماً مؤجلة. والمؤلم في الأمر ليس مجرد التعثر، بل استمرار هذه الكيانات في استقبال “ضحايا” جدد تحت مرأى ومسمع الجهات الرقابية، في مشهد يثير التساؤل: أين دور السجل التجاري والرقابة الإدارية في كف يد المماطلين؟
حين يتوجه المتضرر إلى وزارة التجارة، غالباً ما يأتيه الرد بأن القضية “خارج الاختصاص” وأن وجهته هي القضاء. هذا الفصل الإجرائي يستند إلى قاعدة قانونية تفرق بين المخالفة الإدارية والنزاع المدني. فالوزارة تراقب نظامية السجلات، وتوافر التراخيص، ومكافحة الغش في السلع؛ أما “الإخلال ببنود العقد” فهو نزاع موضوعي يتطلب قاضياً يفصل في البينات ويقدر نسب التنفيذ، وهو ما لا تملكه اللجان الإدارية.
ومع ذلك، يظل التساؤل مشروعاً: لماذا لا يُفعل إيقاف السجل التجاري كإجراء احترازي؟ في السابق، كانت المادة (229) من نظام الشركات القديم تمثل أداة ردع قوية، حيث كان الامتثال للأنظمة، كإيداع القوائم المالية، شرطاً لاستمرار فاعلية السجل. واليوم، ومع التحول الرقمي والقانوني، انتقلت سلطة الردع الكبرى إلى قضاء التنفيذ. فبمجرد صدور حكم قضائي، يتم تجميد الحسابات ومنع التصرف في الأصول، وهو إجراء أكثر دقة وحفظاً للحقوق من الإغلاق الإداري الذي قد يضيع معه حق الدائن في الوصول لأصول المنشأة.
لكن هذا بعد أن وقع الفاس بالراس كما يقال، المواطن حين يرى شركة تمارس نشاطها بكل حرية، يتوفع أن أمورها سليمة وأمواله في ايدً أمينة. يبقى هناك “خيط رفيع” يربط بين الفشل التشغيلي وبين الاحتيال المالي. فإذا كانت المؤسسة تفتح أبوابها وهي تدرك تماماً عجزها عن التنفيذ، فإننا هنا ننتقل من “إخلال بعقد” إلى “شبهة نصب”، وهي منطقة تتطلب تدخلاً عاجلاً من النيابة العامة لحماية المجتمع من استنزاف أمواله وقدراته. فالعقد شريعة المتعاقدين وهذا قانون معروف من القدم.
إن حماية المواطن وتجنيب وقت القضاء الهدر يتطلبان مراجعة لآليات “الإنذار المبكر”. فالعقد منذ الأزل هو “شريعة المتعاقدين”، والالتزام به ليس مجرد واجب قانوني، بل هو ركيزة أساسية لاستقرار السوق وثقة المستثمر. إن استعادة هيبة النظام التجاري تتطلب ألا يشعر المخالف بالأمان لمجرد أن قضيته “حق مدني”، بل يجب أن تضيق عليه الخناق كافة الأنظمة حتى يرتدع عن المماطلة ويؤدي الحقوق لأهلها.
بقلم: علي الماجد
