نادي القصة

*همسة حقيقة*

*همسة حقيقة*

على سريرٍ ذي عجلات، أربعٌ منها تتحرك باستقامة عدا واحدة تلف حول نفسها كالمجنونة، كحال كل عائلة. هناك فرد عابث بين اخوة مستقيمين. يشق طريقه عبر أجسادٍ ترتدي ملابس زرقاء من قطعتين قصيرة الكُم. النساء يرتدين قميصًا تحت ذلك الرداء، يغطي الساعد والمرفق والعضد طمعًا في الستر، بينما الذكور من تلك الأجساد يتباهون بالعضلات والوشم والسلاسل.

خلف السرير، يصيح شابٌ مرتدٍ ثوبًا أبيض حاسر الرأس، جميل الملامح ذو لحية وشارب خفيفين:
“جدتي… جدتي… أنقذوا جدتي… إنها لا تقوى على التنفس. هي كل شيء في حياتي بعد وفاة والدي. لقد تجاوزت الثمانين… أرجوكم، أسعفوها… أنجدوها!”

توقف السرير داخل الغرفة، ثم سُتر بستارة زرقاء، وهرع إليها رجل يرتدي معطفًا أبيض ويضع سماعة طبية حول عنقه، قائلًا: “هل تعاني من أمراض مزمنة؟”
“السكري والضغط، لقد تجاوزت الثمانين يا سيدي. أرجوك، أسعفها!… أنجدها… لقد تجاوزت الثمانين!”
“اهدأ قليلًا، لنفحصها أولًا. أنت تربك كل من حولك بتصرفاتك، تحلَّ بالصبر يا رجل.” ثم سأل من حوله: “هل قِيس الضغط؟”
“70/50، إنه منخفض.” فأمال الرجل السرير نحو الرأس ورفعه من جهة القدمين.
“يا إلهي… يا إلهي، أنجد جدتي. لا تزال في الثمانين من عمرها، يا إلهي!”

هنا تحدث من يرتدي البدلة الزرقاء: “اهدأ يا رجل، إنها تحاول التحدث.”

فصمت الجميع وكأنهم يسمعون أزيز قنبلة في الجوار، ومالوا نحو الجسد الذي جفَّ جلده ووهن عظمه، حتى اقتربوا من الرأس ذي العينين الرَّمِدتين والشعر الأبيض. ومن شفتين لا تكادان تبينان من شقوق الوجه، تمتمت بكلمات، فمالوا أكثر ليسمعوا ما تقول، وإذا بها تنطق: “سبعين… لا أزال في السبعين!”

_من واقع وخيال علي الماجد_

 

المهندس علي محمد الماجد

أديب وكاتب في الأدب الساخر

تعليق واحد

  1. التقدم في العمر أمر لا يطيقه الكثير من الناس، فهو بمثابة إشارة إلى أن تاريخ الصلاحية قد أوشك على الانتهاء.
    .
    .
    إنت إنسان جميل و مفيد جدا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى