كُتاب الرأي

*حين يضيق الوقت… تتسع الحسابات.*

*حين يضيق الوقت… تتسع الحسابات.*

*رؤية تحليلية* .

*في لحظات الأزمات الكبرى، لا تقاس الوقائع بما يقال في العلن، بل بما يبنيه الفاعلون في الخفاء. لا تمثل المهلة القصيرة رقمًا عابرًا، بل تشكل أداة ضغط مباشرة تدفع القرار إلى نقطة حسم محسوبة، حيث يتحول الزمن من إطار للأحداث إلى عنصر فاعل فيها.*

في ظاهر المشهد ترتفع النبرة وتلوح الأطراف بالقوة، وكأن التطورات تتجه إلى مواجهة قريبة. لكن خلف ذلك، يدير صناع القرار مسارًا تفاوضيًا مباشرًا يختبر قبول إطار أولي يمكن البناء عليه. لذلك لا تعلن المهلة حربًا، بل تدخل المشهد في مرحلة فرز واضحة: قبول يفتح باب التهدئة، ورفض يرفع كلفة الخيارات.

التحركات العسكرية تبني خيارات جاهزة، ولا تعني اندفاعًا نحو حرب. تعرض القيادات القوة لتنتج أثرها قبل استخدامها، وتحافظ على مصداقية الردع دون كسر سقف السيطرة. وفي المقابل، يدرك الطرف الآخر أن المناورة الزمنية ترفع المخاطر بقدر ما ترفع المكاسب، وأن تجاوز حدود معينة يستدعي ردًا محسوبًا.

*ولا يمكن قراءة هذا التصعيد بمعزل عن السلوك الإيراني الذي دفع بالمشهد إلى هذه المرحلة. عمل النظام الإيراني خلال الفترة الماضية على توظيف الممرات الحيوية كورقة ضغط، ورفع منسوب التوتر عبر ممارسات مستمرة تمس أمن الملاحة واستقرار الإقليم، لينقل الأزمة من مستوى الاحتكاك إلى حافة المواجهة.*

تتركز العقدة الجوهرية حول ملفات عالية الحساسية: حدود البرنامج النووي، وتوازنات الأمن الإقليمي، وضمانات سلامة الملاحة في الممرات الحيوية. تمس هذه القضايا صميم السيادة، لذلك لا تحسمها الأطراف سريعًا، وهو ما يفسر بطء التقدم رغم تسارع الإيقاع السياسي والإعلامي.

اقتصاديًا، يفرض التأثير الواسع نفسه بقوة. ينعكس أي اضطراب في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية فورًا على الأسواق وسلاسل الإمداد، ويدفع هذا الواقع جميع الأطراف إلى فرض سقف موضوعي للتصعيد، ويجعل التهدئة خيارًا مفضلًا دوليًا رغم ارتفاع مستوى التهديد.

أما داخليًا، فتظهر ملامح تهيئة تدريجية للرأي العام الأمريكي، لكنها لا تستهدف حربًا ممتدة، بل تهيئ لتقبل خيارات محدودة عند تعثر التفاهم. يركز الخطاب على حماية المصالح الحيوية وتأمين الممرات، ويقدم أي تحرك محتمل بوصفه دقيقًا ومقيد الأهداف.

*الترجيح الأقرب وفق المعطيات الحالية:*
*يتجه المشهد نحو تهدئة مرحلية مشروطة محسوبة تبقي قنوات التفاوض قائمة، مع بقاء خيار تصعيد محدود دقيق أداة ضغط جاهزة إذا لم يتحقق التقدم المطلوب.*

*ومع اقتراب نهاية المهلة، لا يطرح المشهد سؤال وقوع المواجهة بقدر ما يطرح سؤال من يحدد شكلها إن وقعت، ومن يحدد شروطها إن لم تقع.*

*في مثل هذه اللحظات، لا ينتصر من يرفع صوته أكثر، بل من يدير وقته أفضل. لأن الزمن هنا لم يعد خلفية للأحداث، بل صار أحد أهم أدواتها.*

( *الحرب ليست إلا استمرارًا للسياسة بوسائل أخرى* ) .

كتبه: اللواء البحري الركن / المتقاعد/
عبدالله بن سعيد الغامدي

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

كاتب رأي - ملحق عسكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى