*الممرات تحت الاختبار… من يفرض الأمن يرسم التوازن*
*الممرات تحت الاختبار… من يفرض الأمن يرسم التوازن*
*قراءة تحليلية*
لم يعد الخليج العربي مجرد ممر للطاقة، بل غدا ساحة اختبار لصلابة النظام الدولي في حماية شرايين الاقتصاد العالمي. ومع تصاعد الاحتكاك بين الولايات المتحدة وإيران، تتشكل معادلة حاسمة: من يضبط الممرات… يحدد ميزان القوة.
وفي هذا الاختبار المفتوح… لا يحسم التوازن إلا من يملك القدرة على فرض الأمن وحمايته.
1 . *تآكل القواعد قبل انهيارها .*
يدفع السلوك الإيراني في مضيق هرمز نحو اختبار حدود القانون البحري عبر التهديد والمضايقة والتدخل الملاحي. ورصدت تقارير الأمن البحري حالات تشويش واتصالات غير اعتيادية أثرت على حركة السفن، ومع تفاوت مستوى الإثبات العلني لكل حادثة، فإن تكرار هذا النمط يحمّل السلوك الإيراني مسؤولية مباشرة بوصفه التهديد الأكثر تكرارا وتأثيرا على أمن الملاحة الدولية، بما يتعارض مع مبدأ حرية العبور في المضائق الدولية.
ويفتح استمرار هذا النمط دون ردع حاسم المجال لتآكل فعلي في قواعد الملاحة الدولية.
2 . *امتداد التهديد إلى العمق الإقليمي .*
تعكس الضربة الصاروخية التي استهدفت دولة الإمارات العربية المتحدة، مع اعتراض معظم المقذوفات وسقوط أخرى في البحر دون أضرار تذكر، انتقال التهديد من محيط مضيق هرمز إلى عمق المجال الإقليمي. ويؤكد هذا الحدث أن السلوك الإيراني لا يقتصر على الضغط البحري، بل يمتد إلى اختبار منظومات الدفاع ورفع مستوى المخاطر، بما يعزز الحاجة إلى ردع منسق يحمي الممرات والمجالات الحيوية في آن واحد.
3 . *مسؤولية القوة العظمى… من الردع إلى الضمان .*
تضطلع الولايات المتحدة، بحكم قدراتها وتحالفاتها، بدور محوري في تأمين حرية الملاحة في الخليج العربي وخليج عمان وبحر العرب. ويمتد هذا الدور من الردع إلى ضمان حرية العبور، وتأمين الممرات، ومنع أي طرف من فرض أمر واقع بالقوة على حركة التجارة العالمية، وذلك في إطار قواعد القانون الدولي.
ويفاقم أي تردد في ممارسة هذا الدور المخاطر ويمنح الأطراف المهددة مساحة أوسع لفرض سلوكها.
وتفرض هذه المرحلة على صانع القرار الانتقال من مجرد ضبط التصعيد إلى تثبيت قواعد لا تُمس بما يحفظ استقرار النظام الدولي ويمنع انزلاق الممرات إلى ساحات ابتزاز.
4 . *دعم غير مباشر… وتوسيع رقعة المنافسة .*
تقدم روسيا إسنادا تقنيا واستخباراتيا محدودا لإيران في إطار صراعها الأوسع مع الغرب. ويستهدف هذا الدعم إطالة زمن الاحتكاك ورفع كلفته دون الانخراط في مواجهة مباشرة، ما يعقّد بيئة الأمن البحري ويزيد من حساسية الممرات ويدفع نحو توازنات هشة قابلة للاهتزاز.
5 . *الخليج العربي… تثبيت الاستقرار في بيئة متحركة .*
تقود المملكة العربية السعودية ودول الخليج ترسيخ معادلة واضحة:
أمن الملاحة مسؤولية جماعية… والاستقرار خيار إستراتيجي ثابت.
ويستند هذا التوجه إلى احترام قواعد القانون الدولي، وتعزيز التنسيق البحري، وبناء شراكات فاعلة مع القوى المؤثرة لضمان استدامة أمن الممرات، في مقابل مسار يوظف التهديد كأداة نفوذ ويقوض الثقة الدولية.
6 . *الاقتصاد العالمي… ثقة الأسواق قبل تدفق الإمداد .*
يدفع أي اضطراب في المضيق الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر، فلا ينعكس ذلك على الأسعار فحسب، بل يمتد إلى ثقة الأسواق واستقرار سلاسل الإمداد. وفي زمن العولمة، تحرك توقعات المخاطر سلوك الأسواق بقدر ما تحركه الوقائع الميدانية، ما يجعل أمن الممرات مسألة اقتصادية عالمية لا إقليمية فقط.
*الاستشراف الإستراتيجي:*
أ . ردع متماسك:
تثبت القوى البحرية الفاعلة قواعد الاشتباك وتؤمن الملاحة وتحد من محاولات فرض وقائع بالقوة.
ب . تصعيد مضبوط:
تدير الأطراف احتكاكات محدودة ترفع الكلفة وتعيد رسم خطوط حمراء دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع بقاء الممرات مفتوحة تحت ضغط مستمر.
ج . تهدئة مشروطة:
تعيد الأطراف فتح قنوات التفاوض وفق ضمانات واضحة لحرية الملاحة وأمن الطاقة، مع آليات رقابة تضمن الالتزام.
*الخاتمة :*
*في هذا الاختبار المفتوح للممرات الدولية… لا يحسم التوازن إلا من يفرض أمنها ويحميه بإرادة فاعلة وقدرة مشروعة، وأي تردد في أداء هذا الدور يفتح المجال لفرض وقائع تهدد الاستقرار العالمي، وتعيد تشكيل موازين القوة على حساب أمن الاقتصاد الدولي… حيث يغيب القانون تحضر الفوضى.*
كتبه: اللواء البحري الركن / المتقاعد/
عبدالله بن سعيد الغامدي
*الثلاثاء ( 5 ) مايو 2026* .
