*بين حافة الطاقة وحدود السياسة… إلى أين يتجه العالم؟*
*بين حافة الطاقة وحدود السياسة… إلى أين يتجه العالم؟*
تتسارع الأحداث في لحظة تبدو فيها الخيوط كلها مشدودة، دون أن تنقطع. قفزت أسعار النفط فوق( *120* )دولارًا، وتحركت الدبلوماسية بين واشنطن وبكين، وطرحت دوائر القرار خيارات ضغط تجاه إيران، فتشكل مشهد لا تحكمه مواجهة مباشرة بقدر ما تحكمه إدارة دقيقة للاحتكاك.
لم يعد الاقتصاد منفصلًا عن السياسة، ولا بقيت الأسواق بعيدة عن قرارات القادة. يعكس الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة تسعيرًا فوريًا لاحتمال اضطراب أحد أهم الممرات الحيوية في العالم، ولا يعكس نقصًا فعليًا في الإمدادات. وهنا تظهر الحقيقة الأهم: يكفي التلويح بتعطيل الملاحة في الخليج العربي ليربك الاقتصاد العالمي.
ولا تخفى جذور هذا الاضطراب. دفعت السياسات الإيرانية الهجومية التوسعية خلال السنوات الماضية—من توسيع نطاق الأزمات الإقليمية إلى استخدام الممرات الحيوية كورقة ضغط—الأزمة من إطارها السياسي إلى تهديد فعلي لأمن الطاقة العالمي. ولا تمثل هذه الممارسات أداة تفاوض تقليدية، بل تعكس مغامرة مدروسة العواقب تُخضع مصالح العالم لاختبار غير مبرر.
وفي هذا السياق، لا يغيب أن أمن الممرات البحرية يمثل التزامًا دوليًا لا يقبل المساومة. ولا يعبّر أي تهديد لهذا الشريان عن ضغط مشروع، بل يختبر قدرة المجتمع الدولي على حماية الاستقرار الاقتصادي العالمي، ويفرض موقفًا واضحًا يحفظ حرية الملاحة ويمنع توظيفها في صراعات سياسية.
وفي المقابل، تتحرك الدبلوماسية بحذر محسوب. تعكس دعوة الصين إلى استقرار العلاقات مع الولايات المتحدة إدراكًا بأن الاضطراب في الشرق الأوسط لن يبقى محصورًا جغرافيًا. ويعكس عرض الخيارات في واشنطن رغبة في إبقاء كل المسارات مفتوحة، دون التسرع في قرارات ذات كلفة عالية.
ورغم هذا المشهد، لا تدل المؤشرات إلى اندفاع نحو مواجهة شاملة، بل تكشف عن توازن دقيق عند حافة الاختبار. يدفع كل طرف بالأحداث إلى أقصى حد ممكن، دون أن يتجاوز النقطة التي يصعب بعدها التحكم بالنتائج.
لكن هذا التوازن يبقى هشًا. ويقود استمرار نهج رفع المخاطر من الجانب الإيراني إلى فرض واقع جديد يصعب احتواؤه، ويرفع احتمالات انزلاق غير محسوب.
في المحصلة، لا يتجه العالم إلى حسم قريب، بل يدخل مرحلة أطول من إدارة الأزمات بدل حلّها. غير أن هذه المقاربة لن تنجح ما لم تُضبط مصادر الاضطراب الأساسية، وفي مقدمتها السلوكيات التي تهدد الاستقرار الإقليمي وتضع الاقتصاد العالمي تحت ضغط مستمر.
وفي زمن كهذا، لا يكون الخطر في وقوع الصراع فقط… بل في الإصرار على سياسات تدفع إليه.
كتبه: اللواء البحري الركن / م. عبدالله بن سعيد الغامدي
*الخميس 30 أبريل 2026* .
