كُتاب الرأي

*هندسة التوازن في الخليج العربي… ما بعد اختبار النار*

*هندسة التوازن في الخليج العربي… ما بعد اختبار النار*

*قراءة تحليلية*

لم تعد المواجهة الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة حدثاً عابراً، بل تحولت إلى اختبار عملي لبنية الأمن في الخليج العربي، كاشفةً عن حدود القراءات التقليدية التي تختزل سلوك الدول في ثنائية الانخراط أو الحياد.

في هذا السياق، ذهبت بعض التحليلات الغربية إلى وصف سياسة المملكة العربية السعودية بأنها (*تحوط استراتيجي*)، في إشارة إلى امتناعها عن الانخراط العسكري المباشر. غير أن هذا التوصيف يقع في اختزال مخل، إذ يقرأ القوة من زاوية استخدامها فقط، متجاهلاً قدرتها على الضبط والإدارة.

فالمملكة لم تنخرط في العمليات، ولم تقدّم أي إسناد بأي صورة كانت… مباشرة أو غير مباشرة على الإطلاق، بل أدارت موقفها ضمن إطار سيادي حيادي متزن، يوازن بين حماية المصالح الحيوية ومنع توسع الصراع. وهذه السياسة لا تعكس تردداً، بل تعبر عن إدارة واعية لمعادلة القوة في بيئة معقدة.

على الجانب الآخر، أظهرت إيران نمطاً عملياتياً إرهابيا غاشما يقوم على الضغط المتدرج والمتفاوت الشدة، حيث امتدت أنشطتها التخريبية إلى المجال البحري ومحيط منشآت الطاقة في الخليج العربي. فقد شهدت المنطقة حوادث استهداف طالت سفناً في نطاقات داخل المياه العمانية وقريبة من سلطنة عُمان، وأخرى مرتبطة بسلاسل الطاقة القريبة من قطر، ورأس لفان، خلاف استهدافها مواقع حيوية مدنية حساسة في المملكة وبقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، في إطار رسائل ضغط اقتصادية وأمنية. ومع ذلك، ظل هذا النمط ضمن حدود محسوبة، ولم يرتقِ إلى حملة تدمير واسعة داخل أراضي هذه الدول المحايدة.

هذا السلوك أفرز بدوره إجماعاً خليجياً واضحاً، حيث أكدت وزارات الخارجية في المملكة والإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين، إلى جانب قطر وعُمان، رفضها لأي تهديد للملاحة أو استهداف للبنية التحتية للطاقة، مع اختلاف في درجات الحدة، لا في جوهر الموقف.

غير أن هذا الإجماع لا يعني تماثل التجربة الأمنية، إذ أظهرت الأحداث أن مستوى الضغط الإرهابي الإيراني ظل انتقائياً ومتدرجاً، وهو ما يفسر تباين الخطاب بين الحزم والاحتواء.

*ومن هنا، تبدو الإشكالية في الطرح الغربي أنه يحصر الخيارات في ثنائية ضيقة: تحوط أو انخراط، بينما الواقع أكثر تعقيداً. فالدول الخليجية، وفي مقدمتها المملكة، تمارس هندسة توازن متعددة الأدوات تشمل الردع غير المباشر، وإدارة التحالفات، واستخدام الأدوات الاقتصادية، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة.*

كما يعكس هذا النهج تحولاً أعمق في التفكير الاستراتيجي، حيث لم يعد الاعتماد على التحالفات التقليدية كافياً، بل أصبح يتطلب تنويع الشراكات، وتعزيز القدرة الذاتية على التحكم في مسارات التصعيد دون الانجرار إليها.

*في هذا السياق، يتضح أن الخليج العربي لم يكن ساحة صراع فحسب، بل كان أيضاً مختبراً لإدارة التوازن تحت الضغط، حيث لم يعد السؤال: هل تتحوط السعودية؟ بل: كيف تدير التوازن دون أن تفقد زمام المبادرة؟* .

*الخاتمة:*

*في الخليج العربي اليوم، لا تقاس القوة بمن يطلق النار… بل بمن يحدد متى لا تطلق .*

كتبه؛ اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي
الخميس (23) أبريل 2026م .

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

كاتب رأي - ملحق عسكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى