*التوازن البحري في الخليج العربي… انضباط القوة في زمن الضغط* .
*التوازن البحري في الخليج العربي… انضباط القوة في زمن الضغط* .
تعكس التطورات المتسارعة في الخليج العربي ما هو أبعد من حالة توتر إقليمي عابر، إذ تشير إلى تحول أعمق في كيفية توظيف القوة في ظل قيود متزايدة. فالمسألة لم تعد مجرد توازن بين طرفين، بل اختبار لقدرة النظام الدولي على احتواء الضغط دون التفريط بالاستقرار.
في قلب هذا المشهد، يبرز المجال البحري بوصفه محورًا حاكمًا، حيث اتجهت الولايات المتحدة إلى تفعيل أدوات السيطرة المنضبطة، بما يعيد تشكيل البيئة العملياتية دون الإخلال بالبنية العامة للتجارة الدولية. ومن خلال تقييد حركة السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية، مع الحفاظ على انسيابية الملاحة في الممرات الحيوية، تسعى واشنطن إلى تطبيق نموذج ضغط انتقائي يحافظ على النظام الملاحي العالمي، ولا يهدده.
في المقابل، تتعامل إيران مع هذه الضغوط عبر مقاربة تقوم على الصبر المحسوب، مستفيدة من موقعها الجغرافي المحاذي لمضيق هرمز كأداة تأثير غير مباشرة. وتوحي هذه المقاربة بوعي واضح بكلفة التصعيد المفتوح، وبسعي للحفاظ على قدر من النفوذ دون استنزاف أدواته دفعة واحدة، في توازن دقيق بين الإشارة والاحتواء.
غير أن اللحظة الراهنة لا يمكن فصلها عن تراكم سياسات تصادمية أسهمت، عبر الزمن، في رفع مستوى الحساسية الإقليمية وتقليص هوامش الخطأ. كما أن تعثر المسارات التفاوضية، في ظل محدودية الاستجابة لبعض المبادرات، عمّق من تعقيد المشهد، وأطال أمد حالة التوتر القائمة.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الذي تضطلع به جمهورية باكستان الإسلامية بوصفها وسيطًا موثوقًا، يسهم في الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة، ويعمل على تقريب وجهات النظر في بيئة معقدة. وتعكس هذه الجهود إدراكًا دوليًا متزايدًا لأهمية الدور الباكستاني في دعم الاستقرار، من خلال إدارة الحوار في لحظات تتسم بارتفاع مستويات الضغط.
وعلى المستوى العملياتي، يتجه المشهد نحو نمط من الاستنزاف المُدار، حيث تُستخدم أدوات الضغط البحري والاقتصادي بصورة تدريجية، بينما يتحول الزمن إلى عنصر حاسم في تشكيل مخرجات الصراع. وفي مثل هذه البيئات، لا يُقاس التفوق بامتلاك القوة فحسب، بل بقدرة الأطراف على إدارة كلفتها، وضبط إيقاع استخدامها، وتوجيهها بما يمنع اتساع نطاق المواجهة.
وعليه، فإن المسار المرجح في المدى المنظور لا يشير إلى حسم سريع، بل إلى إستمرار إدارة التوازن تحت الضغط، مع بقاء المسارات التفاوضية قائمة بوصفها خيارًا موازيًا. وهو ما يعكس طبيعة الصراعات الحديثة، التي تُدار على حافة التوازن، حيث تتقدم الحسابات الدقيقة على ردود الفعل، وتغلب إدارة المخاطر على منطق التصعيد غير المحسوب.
*وفي هذا الإطار، تتضح معادلة القوة في صورتها الأعمق:*
*ليست القوة في امتلاكها… بل في القدرة على ضبطها وإدارتها حين تشتد الضغوط.*
اللواء البحري الركن / المتقاعد
عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق
في جمهورية باكستان الإسلامية .
