كُتاب الرأي

مَن يربي الجيل الجديد غدا؟

مَن يربي الجيل الجديد غدا؟

محمد الفريدي

جيلُ اليومِ لم يُربَّ كما رُبِّينا، ولا يعرِفِ الدفءَ الذي عرفته بيوتُنا بالأمس. ولم يعد أطفالُنا يفتحون أعينَهم على رائحةِ القهوة، ولا ينامون على حكاياتِ الجدّاتِ التي تحمل في طيّاتها حكمة وعبرة.

لقد اختُطفوا منّا بصمت، وسُلِّموا إلى بريق رقمي يخطف العقولَ والأبصارَ، ويختزل المشاعرَ ويشكل القيمَ، فصارت الشاشاتُ الأبوينِ الجديدينِ والمدخلَ الوحيدَ إلى عقولِ صغارِنا، والنافذة التي ينظرون من خلالها إلى العالم.

بينما نحن نلهث في دوّامةِ الحياةِ والعملِ، ونعيش جسديّا معهم، لكننا بالنسبة إليهم أمواتٌ ذهنيا وروحيا ، ونحتاجُ إلى شهادةِ إثباتِ حياة.

لم تكتفِ التكنولوجيا بغزو بيوتنا، بل اقتحمت غرف نوم أطفالِنا، وعقولَهم، ولغتَهم، وأخلاقَهم، فمن يُربّي أبناءَنا اليوم: الأسرةُ التي غابت، أم المدرسةُ التي انزوت، أم الخوارزمياتُ التي تعرف ما يُحبّون وما يكرهون، وما يخافون منه، وما يُبقيهم أمام الشاشات لأطولِ وقت ممكن؟

الأمُّ التي كانت تحكي، والقلبُ الذي كان يُرشد، تراجعا كلاهما أمام شاشة تنطق بدلا منّا وتوجّه أطفالَنا من دون إذنِنا، ولم تعدِ التكنولوجيا مجرّد وسيلة للتسلية، بل أصبحت معلما خفيّا يشكل قيمَنا ويعيد تعريفَ مفاهيم أبنائنا.

أطفالُنا باتوا يتلقّون العالمَ من نافذة مصنوعة من زجاج بارد، وصوت مُبرمَج يُحاكي قهقهة لا تصدق ولا تعرف الرحمة؛ إنّنا لا نعيش ثورة تقنية فقط، بل نعيش انهيارا تربويّا مكتمل الأركان إلى أبعدِ درجة.

الطفلُ الذي كان يتربّى على (افعل) و(لا تفعل)، أصبح يتلقّى أوامره من محتوى يتسلّل إلى وعيه بلا إذن ولا رقابة؛ فيتعلّم من المقاطع القصيرة أنّ البطولة تُقاس بعددِ المتابعين، وأنّ الذكاء هو الخداع، وأنّ القيمَ قيودٌ على طريقِ المجدِ والشهرة.

إنّنا نرى اليوم جيلا بأكمله يُعاد تشكيله وهو يبتسم أمام الشاشات، تُبرمج التطبيقاتُ سلوكه وتوجّه مشاعره وتنتزع منه القدرةَ على التفكيرِ المستقل، حتى أصبحت كل تصرّفاته واهتماماته موجَّهة نحو محتوى يسطو على وعيه ويُبعده عن ذاته الحقيقية التي يفترض أن يعتني بها.

لم تعُدِ الأمُّ تُربّي، ولا المدرسةُ تُعلّم، ولا الإعلامُ يُرشد، فقد تخلّت هذه الجهاتُ عن مواقعها لصالح آلة لا تفهم معنى العاطفة، والأسرةُ التي أعطت الهاتفَ له بدلَ الحوار تتحمّل جزءا من هذه الجريمة.

والمدارسُ التي تُكرّر مناهجَ الماضي في زمن يُدار بالذكاءِ الاصطناعي تتحمّل الجزءَ الآخر، أمّا الإعلامُ الذي يُطارد الأرباحَ على حسابِ القيمِ والمبادئِ والأخلاق فيتحمّل ما تبقّى من المسؤولية.

الجميعُ مذنبون، والجميعُ يتفرّجون على أطفالِنا وهم يضيعون، فالطفلُ أمام الشاشة لا يتعلّم بل يُعاد تشكيلُه، والشاشةُ لا تنقل معلومة بل تبني عقلا جديدا وفقَ معاييرِ الشهرةِ ومنطقِ الربحِ والخسارة، ولم يعد القدوةُ هو العالِمُ أو الطبيبُ أو الأب، بل (المؤثِّر) الذي يعيش على مشاهداتِ الناسِ وزخمِ الإعجابِ المزيَّف.

ومن هنا تبدأ الكارثة؛ فنحن نزرع في الأجيال أوهاما ضخمة وقيما فارغة، ونُغذّي فيهم حبَّ الظهور بدلَ حبِّ العلم، ونقيس النجاحَ بعددِ (اللايكات) لا بما يُقدّمه الإنسانُ من نفع أو فكرة أو خُلُق.

هذه ليست أزمةَ تربية فقط، بل أزمةُ وجود؛ فحين يفقد أطفالُنا لغتَهم وانتماءَهُم وثقافتَهُم يصبحون مجرّدَ نُسخ بلا هوية، والمحتوى الذي يغزوهم يُعيد تشكيلَ ذواتِهم ويُقنعهم بأنّ تقاليدَهُم عارٌ وجذورَهُم عبءٌ يجبُ التخلّصُ منه.

وشيئا فشيئا نُربّي في بيوتنا جيلا مُشوَّها يكره ماضيه ولا يجد مكانا له في حاضره، جيلا هشّا يتهاوى عند أوّل اختبار، لأنّ أساسه بُني على الفلاشات والشاشات لا على المبادئ والقيم.

أما مجتمعُنا فقد صار ظلا باهتا لتاريخه، بينما تتكلّم التطبيقاتُ بلغة أطفالِنا الجديدة بجرأة وجاذبية، ما زال صامتا إلى اليوم؛ والنتيجةُ محسومة: سينتصر الهاتفُ والآيبادُ على المعلّمِ والبيتِ والمجتمع، ويتغلب المحتوى السطحي على المناهج العميقة، فتضيع قيمُ البيتِ والتربيةِ والتعليم.

وتُترك الأجيالُ تواجه الواقعَ المرَّ بلا وعي ولا مرشد قادر على صقل شخصياتِهم وتنمية عقولِهم، التي زُرِع فيها عشقُ التحدّي وحبُّ الذاتِ والشهرةِ والتمرد.

المعركةُ ليست مع التكنولوجيا، بل مع الاستسلامِ لها؛ لسنا مطالبين بالابتعاد عن العالم الرقمي، بل بإدارته بعقول واعية، فالأمرُ لا يتعلق بالتحريم بل بالتوازن.

بيتٌ يُعيد لأطفالِنا الدفءَ والحوارَ الجميل، ومدرسةٌ تزرع حبَّ النقدِ والتحليلِ لا الحفظَ والتلقين، وإعلامٌ حاضرٌ يعي دوره الحقيقي لا كآلة للتسلية، بل كرافعة ترفع وعي المجتمع وتُسهم في بناء جيل أكثر وعيا ونضجا ومسؤولية.

المطلوبُ أن نُعيد الإنسانَ إلى صورتِه كإنسان؛ أن يكون الأبُ في بيتِه أبا، لا كظل صامت متعب، بل كمربٍّ وموجّه لا يستخفُّ بأهميةِ دورِه أبدا، وأن تستعيدَ الأمُّ دورَها كقلب نابض في حياةِ أبنائِها، وتُدركَ الأسرةُ أنّ ضحكةَ طفلِها أمام مقطع تافه ليست سعادة، بل نداءُ استغاثة أخير.

يدعونا إلى إعادةِ بناءِ بيئة واعية تحافظ على القيم، وتصقلُ الوعي، وتزرعُ الحب والاحترامَ الحقيقي في النفس، وتُعيدُ لأطفالِنا إنسانيّتَهم قبل أن يفقدوها تماما مع مرورِ الزمن.

إنّ التربيةَ موقفٌ قبل أن تكون وقتا مُهدَرا، وحوارٌ قبل أن تكون سلطة باطشة تُقيِّدُ أحلامَهم وتُكمِّمُ أفواهَهم وأفكارَهم، ومشاركةٌ قبل أن تكون مراقبة تزرعُ الخوفَ في نفوسِهم.

الأزمةُ أعمقُ من مجرّد (جيل تافه يجلس أمام الشاشات كما نعتقد)، إنّها أزمةُ هويّة إنسانية ووطنية تترنّح بين واقعِنا الحقيقي وعالمِه الافتراضي؛ فالطفلُ الذي يتربّى على السرعة يفقدُ ببطء قدرتَه على الصبرِ والتفكيرِ الهادئ، وحياتُه كلُّها (تمرُّ سريعا) على شاشات تُكرّس السرعة.

حتى في مشاعره التي أصبحت مؤقتة وتتغيّرُ بسرعة؛ يضحكُ بسرعة، ويبكي بسرعة، وينسى بسرعة، لا يتعمّقُ في شيء ولا يتعلّقُ بشيء، وكأنّه قد تبرمجَ على الزوال.

فكيف له أن يشعر بالحب وهو لا يعرف الثبات؟ وكيف سيتحمّل المسؤولية وهو لم يُدرَّب على التركيز؟ نحن نُنتج عقولا تركض خلف كل جديد وتهرب من كل ما هو عميق، ونُنتج إنسانا يعرف كل لغات العالم، لكنه لا يعرف كيف يشرح مبادئه للعالم بتلك اللغات.

يُتقن المشاهدة، لكنه يعجز عن التعبير والتأمّل، كأنّ عينيه مفتوحتان على العالم وقلبه مُغلقٌ بإحكام خلف شاشات لا تُنير حتى ظلامَ عقلِه، فيرى كلَّ شيء ولا يفهمُ شيئا، ويعرفُ الكثيرَ ولا يُدركُ المعنى.

إنّ ما نزرعُه اليومَ من لامبالاة في أبنائنا سيُزهرُ غدا فراغا قاتلا وجيلا لا يعرفُ ذاتَه، فالمعركةُ ليست بيننا وبين التقنية، بل بين الحضورِ والغياب، بين اليقظةِ والتخدير، وبين من يختارُ أن يكون مربّيا ومن يكتفي بدور الضحيةِ والمتفرّجِ المصدوم.

جيلٌ كاملٌ ينتظر أن يرى نموذجا حيّا يُخبره أنّ القيم ليست موضة قديمة، وأنّ الحبَّ ليس تعبيرا رقميا بملصقات بلا قيمة، وأنّ الإنسانَ أعمقُ وأجملُ من شاشة تُضيء وتنطفئ، وتُغرقه في ضجيج مؤقّت وتُبقي قلبَه وعقلَه عطشانَين للواقع والحياةِ الحقيقية.

إذا لم ننهض الآن، فلن ينهض أحدٌ من بعدنا، وإذا لم نؤمن أنّ التربيةَ فعلُ مقاومة، فسنستيقظ يوما على جيل بلا ذاكرة، بلا قلب، بلا جذور.

يتيه في عالم افتراضي يسرق وعيه ويُفرّغ روحه من أي معنى حقيقي، فلا يعرفُ من يكون ولا إلى أين يمضي، سوى أنه ينجرف خلف ضوء لا يقوده إلى شيء.

الجيلُ القادمُ لن يُشكّل مستقبله فحسب، بل سيُعيد تعريفَ الإنسانِ السعودي وترتيبَ أولوياته ومشاعره ومبادئه، إمّا نحو النورِ والقيم أو نحو الظلامِ والعدم، والاختيارُ ما زال بأيدينا؛ فنحن من يُقرّر اليومَ من سيُربّي أجيالَنا القادمة غدا.

وما القيمُ التي سنتركها لهم كمرجعيّة خالدة تُنير طريقَهم وتُحصّن وعيَهم، ونكونُ شركاءَ معهم في صناعةِ مستقبل لا يُولد فيه الإنسانُ مصادفة، بل يُبنى على وعي ومسؤولية وهدف.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

‫2 تعليقات

  1. الموضوع لم يقتصر على تربية الأبناء بل ربما نحن نحتاج الى إعادة تأهيل يابو سلطان .
    أنظر الى مشاهير السوشال ميديا إنهم تجاوزوا الثلاثين من العمر بل بعضهم تجارز الخمسين وتجدهم مدمنين مساحات في منصة X .
    لذلك يقع اللوم علينا أولاً في عدم تربية أبنائنا بصورة صحيحة وتجاهلنا مبادرة مستشار خادم الحرمين الشريفين امير منطقة مكة المكرمة سيدي سمو الأمير خالد الفيصل ( كيف نكون قدوة )
    تحياتي لك أخي الملهم العزيز

  2. سلمت وسلم قلمك ابا سلطان ولفت الانتباه الي جيل الشباب الركيزه المهمه والاساسيه في حياه. الشعوب وبناء الكيانات الاجتماعيه السليمه التي تقود مستقبل الامه ومكانتها واهميتها
    اتمني يطلع عليها كل موسسات الدوله وقيادتها واساتذه الجامعات والمدارس ومنسوبيها وكافه الدور الاجتماعيه والاسره بكافه افرادها وخاصه الابوين ( الام) مدرسه اذا اعددتها اعددت شعب طيب الاعراق لقد اشغلت نفسها عن ماهو اهم من دورها الذي خلقت من اجله !؟
    في ظل غزو فكري وثقافي واخلاقي يعصف بكل المجتمعات في رتم سريع تنشره وتروجه ميديا حديثه تتحكم في تشكيل وتوجيه البشريه التي ستجد نفسها بالمنظور القريب في دوامه وحيره متتاليه لاتستطيع ظبط حياتها وسلوكها التي تجردهم من انسانيتهم وتنقلهم الي عالم الربورتات ومايسمي الذكاء الصناعي وفيه ( هدم للدين والاخلاق ومكارمها والقيم خلل كبير في كل شوون الحياه) مقال يكتب بما الذهب يثير اهم ماتملكه الاسره والدول (( الشباب )) مسؤوليه اجتماعيه كبيره يشارك بها الجميع البيت والمدرسه والمجتمع. والاعلام ليعيد ظبط وتوازن الشباب الذي اذا استمر علي حاله الضياع في كل شي لمده اقل من خمسين عاما سينتهي كل شي وتفقد الحياه كل مقوماتها وتنهار المجتمعات كالانعام بل اظل
    اكرر شكري وتقديري واجلالي لما تدونهم ابا سلطان وكل فريق العمل بكافه صفحاته وزواياه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى