إلى من لا يهمه الأمر7

إلى من لا يهمه الأمر
أحيانا كثيرة تبدأ رحلتنا إلى مطعم، أو فندق، أو مقهى، أو حتى منتج نرغب في شرائه من شاشة قوقل. نقرأ التقييمات، ونتأمل التعليقات، ثم نبني قرارنا على عدد النجوم قبل أن نخوض التجربة بأنفسنا. ومع مرور الوقت، أخذت هذه النجوم تحتل مكانة أكبر مما تستحق، حتى أصبحت عند كثير من الناس صاحبة الكلمة الأخيرة. لا أحد ينكر أن التقييمات وسيلة نافعة، فهي تختصر كثيرا من التجارب، وقد تنبه إلى أخطاء لا تظهر من الزيارة الأولى. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول من وسيلة للاستئناس إلى مرجع لا يناقش، فيتراجع حكمنا الشخصي، ونستعير أذواق الآخرين كما لو كانت أذواقنا.
ولعل السبب أعمق مما نظن. فالإنسان يميل بطبعه إلى الاطمئنان لرأي الجماعة، لأن كثرة الموافقين تمنحه شعورا بالأمان، حتى لو لم يعرف شيئا عن خبرتهم أو معاييرهم. ومع مرور الوقت، قد يجد نفسه يثق في أرقام يجهل أصحابها أكثر مما يثق في تجربته الخاصة. ولم يعد الحديث عن التلاعب بالتقييمات أمرا غريبا. فقد تتردد أخبار عن شراء تقييمات مرتفعة، أو إغراق المنافسين بتقييمات سلبية مقابل المال. ولا أملك الجزم بصحة كل ما يقال، لكن مجرد احتمال وجود مثل هذه الممارسات يدعونا إلى التعامل مع التقييمات بقدر من الحذر. فإن حدث ذلك، فقد أصبح الرديء يظهر في صورة الممتاز، وقد يختفي الممتاز خلف تقييمات لا تعكس حقيقته.
والتقييمات، مهما كثرت، تظل آراء بشر. يكتبها من أعجبه المكان، ويكتبها من أغضبته تجربة عابرة، ويكتبها من بالغ في الثناء أو في النقد. ولهذا لا يمكن أن تمثل جميع الناس لأن اختلاف الطباع والذائقة جزء من طبيعة الإنسان. وقد تمتد آثار هذه التقييمات إلى أرزاق الناس. فتقييمات سلبية متسرعة، أو غير منصفة، قد تصرف العملاء عن مشروع يستحق النجاح، فيخسر صاحبه سنوات من التعب بسبب كلمات قليلة. وفي المقابل، قد ترفع التقييمات المتساهلة مشروعا متواضع الجودة، فيقصده الناس، ثم يخرجون بخيبة أمل.
وقد تعلمت هذا من تجربة شخصية. زرت ذات مرة إحدى مدننا الحبيبة، وأردت تناول الغداء، فبحثت عن أعلى المطاعم تقييما، واخترت أحدها بثقة. لكنني فوجئت بأن جودة الطعام لم تكن كما توقعت، ولم أجد ما يبرر ذلك التقييم المرتفع. يومها أدركت أن التقييم يعبر عن ذائقة أصحابه، ولا يعبر بالضرورة عن ذائقتي.
وما يحدث في المطاعم يحدث أيضا في الكتب، والأفلام، والفنون، وسائر الأعمال الإنسانية. فكم من كتاب لم يحظ باهتمام عند صدوره، ثم أصبح بعد سنوات مرجعا في مجاله. وكم من عمل استقبلته الجماهير بحماس، ثم غاب أثره مع مرور الزمن. فالزمن يملك قدرة على الفرز لا تملكها التقييمات، لأنه يكشف ما يبقى وما يزول.
ولعل السؤال الذي يستحق التأمل هو: من يحكم ذوقك؟ أنت، أم عدد النجوم التي تراها على الشاشة؟
استأنس بتجارب الناس، ولا تجعلها بديلا عن تجربتك. اقرأ التقييمات، ثم امنح نفسك حق الحكم. فالنجوم تخبرك بما أعجب الآخرين لكنها لا تستطيع أن تخبرك بما سيعجبك أنت. وتبقى التجربة الصادقة هي الحكم الذي لا يستطيع أحد أن ينوب عنك فيه.
ناقد صحفي