رجل لا يصفق

إلى من لا يهمه الأمر 8

إلى من لا يهمه الأمر

رجل لا يصفق 

يعرف الناس طقوس العزاء جيدا. الكراسي تصطف، الوجوه تتعاقب، الهواتف ترن، وأيد تمتد بالمصافحة. يعرف الجميع متى يأتون، ماذا يقولون، ومتى يحين وقت المغادرة.

ثم يخف الزحام. تعود الكراسي إلى أماكنها، يقل رنين الهاتف، وينشغل كل واحد بما ينتظره خارج ذلك البيت. عندها تبدأ أشياء صغيرة في الظهور: مكان اعتاد صاحب المصاب أن يرى فيه الراحل، صوت غاب عن البيت، عادة فقدت صاحبها، وساعات أصبحت أطول مما كانت. العزاء عندنا منظم بدقة، أما الحزن فلا يعرف هذا التنظيم. حددنا للمواساة أياما وكأن النفس تستطيع أن ترتب فقدها وفقا للعرف الاجتماعي. يأتي الناس في الوقت المعروف، يؤدون واجبهم، ثم يعودون إلى حياتهم، فيما يبدأ الغياب عند صاحبه في أخذ مساحة أكبر.
وقد تكون كثرة الناس في الأيام الأولى حماية مؤقتة. الوجوه والاتصالات والإجراءات والأسئلة تشغل جزءا من الوقت. ثم يأتي يوم عادي، يخرج الناس إلى أعمالهم، تفتح المحلات أبوابها، تمتلئ الطرق بالسيارات، ويكتشف صاحب الفقد أن الحياة واصلت سيرها بسرعة لا تشبه ما يجري داخله.
ويستحق الأمر سؤالا مزعجا قليلا: حين نزور الحزين، هل نذهب إليه من أجله، أم لأن العزاء له موعد يعرفه الجميع؟
قد يتلقى الإنسان في ثلاثة أيام مئات الاتصالات، ثم يمر عليه أسبوع كامل وهو يحتاج إلى صوت يعرفه. وقد يمتلئ بيته ليلة العزاء، ثم يأتي عليه شهر يبدو فيه البيت أوسع من اللازم، لأن معظم الذين سألوا عنه ظنوا أن السؤال نفسه انتهى بانتهاء المناسبة.
مكالمة بعد أسبوع قد تفعل ما لم يفعله مجلس كامل. زيارة في مساء هادئ قد تكون أثقل في معناها من عشرات المصافحات. وسؤال بسيط يأتي بعد أن هدأت الأبواب: كيف تمر أيامك؟ قد يصل إلى مكان لم تصل إليه كلمات العزاء كلها.
نعرف جيدا الطريق إلى بيت الحزين .. والمفارقة أن هذا الطريق يصبح أقل ازدحاما كلما ازدادت حاجته إلى من يعرفه.

ناقد صحفي

 

رجل لا يصفق

ناقد صحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.