رجل لا يصفق
إلى من لا يهمه الأمر 6

إلى من لا يهمه الأمر
رجل لا يصفق
أحيانا لا تدخل الخسارة إلى المؤسسة من أبواب المنافسين، فقد تولد بين مكتبين متجاورين. تبدأ بفكرة صغيرة تقول: لماذا نجح هو؟ ثم تكبر حتى تصبح إشاعة، أو معلومة مخفية، أو إنجازا ينسب إلى غير صاحبه. وعندها يتراجع العمل خطوة كلما تقدم الكيد خطوة. كثير من الناس لا يخافون الفشل بقدر خوفهم من نجاح غيرهم. فالفشل يجد دائما تفسيرا يخفف وطأته، أما نجاح الزميل فيضع الإنسان أمام مرآة صادقة، تكشف مقدار ما اجتهد فيه، وما أهمله، وما أضاعه من فرص. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي للنفس.
النفوس الواثقة تستقبل نجاح الآخرين دليلا على أن الطريق مفتوح، فتتعلم وتجتهد، وتبحث عن فرصة جديدة. أما النفوس القلقة فتستقبل النجاح وكأنه خسارة شخصية، مع أن شيئا لم ينتزع منها. ومن تلك اللحظة يتحول التنافس مع التقصير إلى صراع مع الأشخاص. من هذه الفكرة تولد المنافسة غير الشريفة. لا تبدأ بسرقة إنجاز، ولا بإخفاء معلومة، ولا بتقرير كيدي. تبدأ حين يعجز الإنسان عن التصالح مع تفوق غيره. وما إن تستقر هذه الفكرة في النفس، حتى تصبح كل وسيلة مقبولة في سبيل تعطيل زميل، أو التقليل من شأنه، أو التشكيك في نجاحه.
وصاحب هذا السلوك يظن أنه يحمي مستقبله الوظيفي، مع أنه يهدمه بيديه. فالسمعة المهنية تبنى بالأمانة، والعدل، وجودة الأداء، والقدرة على العمل مع الآخرين. وقد ينجح في إخفاء تصرفاته زمنا، لكن الطباع تكشف نفسها مع تكرار المواقف، ويقرأها الناس قبل أن يتحدثوا عنها.
وقد يظن أن ضرره يقف عند حدود زميله، لكن الحقيقة أوسع من ذلك. فأول من يدفع الثمن هي المؤسسة. تتراجع الثقة بين الزملاء، ويصبح الاحتفاظ بالمعلومة وسيلة للبقاء، وتتردد الكفاءات في طرح أفكارها، لأن كل نجاح قد يجر عليها معركة جديدة. ومع مرور الوقت يرحل أصحاب العطاء، ويبقى من أتقن إدارة الصراعات أكثر من إتقان العمل.
وحين يتحول المكتب إلى ساحة صراع، ينشغل الجميع بحراسة مواقعهم. يتردد أحدهم في مشاركة فكرة، ويتراجع آخر عن مبادرة، ويرحل ثالث بصمت إلى مكان يقدر جهده. وعندما تلتفت المؤسسة إلى ما حدث، تكتشف أن الخسارة لم تبدأ يوم غادر آخر موظف، بدأت يوم أصبح نجاح الزميل خبرا يزعج زميله أكثر مما يلهمه.