كُتاب الرأي

*ماذا يريد النظام الإيراني . ؟*

*ماذا يريد النظام الإيراني . ؟*

*رؤية تحليلية استراتيجية .*

*الجزء 2 من 2 .*

إن هذه المقاربة تكشف أن النظام الإيراني لا يدير حربا على الأرض فحسب، بل يدير حربا على الإرادة السياسية. فهو يراهن على أن الخوف من اتساع الصراع، وارتفاع أسعار الطاقة، وتعطل الملاحة، وزيادة تكاليف التأمين والشحن، سيدفع العواصم الكبرى إلى إعادة النظر في قراراتها، وأن الضغط الاقتصادي سيحقق ما عجزت عنه القوة العسكرية.

غير أن التاريخ الاستراتيجي يقدم درسا مختلفا.

فقد تستطيع دولة أن ترفع كلفة الحرب على خصومها، لكنها لا تستطيع أن تحول ذلك تلقائيا إلى نصر سياسي. كما أن توسيع دائرة الصراع لا يعني بالضرورة توسيع دائرة النفوذ، بل قد يقود إلى نتيجة معاكسة تتمثل في توحيد خصومها، وتعزيز تعاونهم العسكري، ورفع مستوى التنسيق الاستخباراتي، وتسريع بناء منظومات دفاعية أكثر تكاملا.

ولعل هذا ما بدأ يتشكل بالفعل.

فالاعتداءات الغاشمة الأخيرة أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي لم يعد يقبل التجزئة، وأن أي اعتداء على دولة منها يمثل تهديدا مباشرا لبقية الدول. كما أثبتت أن حماية المجال الجوي، والممرات البحرية، ومنشآت الطاقة، لم تعد مسؤولية وطنية منفردة، وإنما أصبحت مسؤولية جماعية تفرضها طبيعة التهديدات العابرة للحدود.

ومن الناحية القانونية، يتحمل النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن توسيع نطاق الحرب. فاستهداف أراضي دول ذات سيادة، أو تهديد الملاحة الدولية، أو تعريض المدنيين والمنشآت الاقتصادية للخطر، لا يمكن تبريره بوجود قواعد أجنبية أو اتفاقيات دفاعية، لأن القانون الدولي لا يجيز معاقبة دولة بسبب تحالفاتها، ولا يمنح أي نظام حق تصدير أزماته إلى جيرانه.

أما اقتصاديا، فإن تحويل مضيق هرمز إلى ورقة ابتزاز سياسي يمثل مجازفة استراتيجية كبرى. فهذا الممر البحري ( الطبيعي والدولي ) ليس ملكا لدولة بعينها، بل شريان حيوي للاقتصاد العالمي، وأي محاولة لتعطيل حركته أو تهديد السفن التجارية لن تضر بالدول المستوردة للطاقة وحدها، بل ستنعكس أيضا على الاقتصاد الإيراني، وتزيد من عزلته، وتوسع دائرة الرافضين لسياساته.

ومن الناحية السياسية، فإن استهداف دول لعبت أدوارا في الوساطة وخفض التصعيد يبعث برسالة سلبية إلى المجتمع الدولي، ويثير تساؤلات مشروعة حول مدى استعداد النظام الإيراني للبحث عن حلول سياسية حقيقية. فالدبلوماسية لا تستقيم مع إطلاق الصواريخ، والوساطة لا تزدهر تحت التهديد، وحسن الجوار لا يجتمع مع تحويل الجيران إلى أهداف.

ومن هنا، فإن هذه الأزمة ليست مواجهة بين الشعب الإيراني وجيرانه، فالشعب الإيراني شعب مسلم عريق يستحق الأمن والتنمية والعلاقات الطبيعية مع محيطه. وإنما هي أزمة تتعلق بسياسات نظام اختار، منذ عقود، أن يجعل من التوتر وسيلة للنفوذ، ومن التنظيمات الارهابية المسلحة العابرة للحدود، والصواريخ، والطائرات المسيرة، وتهديد الممرات البحرية، أدوات رئيسة في سياسته الإقليمية.

أما المملكة العربية السعودية، فإنها تدرك أن الردع الحقيقي لا يتحقق بالانفعال، وإنما ببناء قوة متوازنة، وتعزيز منظومة الأمن الجماعي الخليجي، وتطوير التكامل في الدفاع الجوي والصاروخي، والأمن البحري، والإنذار المبكر، مع استمرار العمل السياسي والدبلوماسي المسؤول الذي يحمي أمن المنطقة ويمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة.

لقد علمتنا هذه الحرب أن الجغرافيا لم تعد وحدها ميدان الصراع، وأن الصاروخ لم يعد وحده أداة الردع، وأن النصر لم يعد يقاس بعدد الأهداف المدمرة. لقد أصبحت الحروب الحديثة معركة على العقل قبل الميدان، وعلى القرار قبل الحدود، وعلى الإرادة قبل السلاح.

*ويبقى السؤال الذي بدأنا به:*

*ماذا يريد النظام الإيراني؟* .

الجواب أنه لا يقاتل دفاعا عن حدود بقدر ما يقاتل دفاعا عن مشروع. ولا يراهن على السيطرة على الأرض بقدر ما يراهن على التأثير في القرار. ولا يسعى إلى كسب المعركة بقدر ما يسعى إلى منع خصومه من تحقيق أهدافهم السياسية.

لكن التاريخ يقدم حقيقة ثابتة لا تتغير.

قد تستطيع الأنظمة أن تؤخر الهزيمة العسكرية، وقد تنجح في إطالة أمد الصراع، لكنها لا تستطيع أن تجعل من الأزمات استراتيجية دائمة للبقاء. فالدول التي تبني نفوذها على إنتاج الأمن والاستقرار تكتسب ثقة العالم مع مرور الزمن، أما الأنظمة التي تجعل من الفوضى وسيلة للحكم، فإنها قد تفرض الخوف زمنا، لكنها تستنزف مشروعها السياسي، وتوسع عزلتها، وتوحد خصومها.

لقد أثبتت هذه الحرب أن النظام الإيراني لا يدير معركة على الأرض بقدر ما يدير معركة على القرار. فهو يقاتل دفاعا عن مشروعه السياسي أكثر مما يقاتل دفاعا عن حدوده، ويراهن على إنهاك الإرادة قبل إنهاك الجيوش، وعلى استنزاف الوقت قبل استنزاف الذخيرة.

*غير أن القوة قد تفرض معادلة مؤقتة، لكنها لا تستطيع أن تفرض شرعية دائمة. وقد تستطيع الصواريخ أن تعطل مطارا أو ميناء، لكنها لا تستطيع أن تبني مستقبلا. فالتاريخ لا يتذكر من أتقن إشعال الحرائق، بل يتذكر من امتلك الحكمة لإطفائها، ومن حوّل القوة إلى أمن، والنفوذ إلى استقرار، والصراع إلى سلام.*

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

تعليق واحد

  1. صاحب السعادة بارك فيكم هذه رؤية مفادها أن النظام الإيراني يسعى إلى التأثير في الإرادة والقرار السياسي أكثر من سعيه لتحقيق مكاسب عسكرية مباشرة. وفي المقابل، يؤكد أن الأمن والاستقرار والتكامل الإقليمي والنهج الدبلوماسي المسؤول تبقى الأسس الأكثر استدامة في مواجهة الأزمات ومنع اتساع الصراعات اشكر سعادتك على هذا التصور الشامل للأوضاع في المضيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.