كُتاب الرأي

*تحولات القوة في الشرق الأوسط .*

*تحولات القوة في الشرق الأوسط .*

*رؤية تحليلية استراتيجية .*

*( مقال الجمعة )*

*الجمعة الموافق ( 3 ) يوليو 2026م .*

بقلم
اللواء البحري الركن / المتقاعد .
عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .

*إعتاد الباحثون في الشؤون الاستراتيجية أن يقيسوا نتائج الحروب بعدد الأراضي التي تغيرت، أو بحجم الخسائر العسكرية، أو بما يحققه أحد الأطراف من مكاسب سياسية مباشرة. غير أن بعض الحروب لا تكمن أهميتها في نتائجها الميدانية، بل في قدرتها على تغيير المفاهيم التي حكمت البيئة الاستراتيجية لعقود. وهذا، في تقديري، هو ما تشهده منطقتنا اليوم.*

*فالمواجهة الأخيرة لم تكن مجرد اختبار لقدرات عسكرية متقابلة، بل كانت اختبارا لمدى صلاحية نماذج مختلفة في بناء النفوذ الإقليمي وإدارته. ولذلك فإن قراءة المرحلة من زاوية العمليات العسكرية وحدها تبقى قراءة ناقصة، لأنها تغفل التحول الأعمق الذي بدأ يتشكل في مفهوم القوة ذاته.*

لقد ساد الاعتقاد لسنوات بأن النفوذ الإقليمي يقاس بامتلاك أكبر عدد من أوراق الضغط، أو بتوسيع دوائر التأثير خارج الحدود، أو بالقدرة على إدارة الأزمات عند اندلاعها. إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن النفوذ لا يقاس بقدرته على الاتساع فقط، بل بقدرته على الاستمرار دون أن يتحول إلى عبء سياسي أو اقتصادي أو أمني على الدولة التي تتبناه.

ومن هذه الزاوية، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة، أصبحت فيها كلفة الحفاظ على بعض أدوات النفوذ عنصرا لا يقل أهمية عن المكاسب التي تحققها تلك الأدوات.

لقد اعتمد النظام الإيراني، طوال عقود، على سياسة تقوم على توسيع نفوذه الإقليمي من خلال دعم تنظيمات ( *إرهابية* ) مسلحة وشبكات نفوذ مجرمة ومنظمة خارج حدوده، معتقدا أن هذه الأدوات تمنحه عمقا استراتيجيا وقدرة أكبر على التأثير في موازين القوى الإقليمية.

ولا يمكن إنكار أن هذه السياسة الهجومية حققت له – *حسب زعمه* – في بعض المراحل أوراقا تفاوضية ومجالات تأثير، إلا أنها في المقابل أوجدت تحديات متراكمة، تمثلت في اتساع نطاق التوتر، وارتفاع كلفة المواجهة، وتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، وتعقيد فرص الوصول إلى تسويات مستقرة في عدد من ملفات المنطقة.

ومع تغير البيئة الدولية، وازدياد الاهتمام العالمي بأمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، واستقرار سلاسل الإمداد، أصبحت قدرة أي مشروع إقليمي على الاستمرار مرتبطة بمدى مساهمته في تعزيز الاستقرار، لا في إدامة الأزمات.

*وفي هذا السياق، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها نموذجا مختلفا في بناء المكانة الإقليمية. فقد ارتكزت سياستها على تعزيز الدولة الوطنية، واحترام سيادة الدول، ودعم الحلول السياسية، وحماية أمن الملاحة، وتطوير الشراكات الدولية، وربط الأمن بالتنمية في إطار رؤية المملكة 2030، التي جعلت الاقتصاد، والاستثمار، والابتكار، والاستقرار والإزدهار عناصر متكاملة في بناء القوة الوطنية.*

*ولذلك، فإن الفارق بين النموذجين لا يكمن في اختلاف الوسائل فحسب، بل في اختلاف الفلسفة التي تحكم مفهوم النفوذ. فبينما يقوم أحدهما على توسيع مساحات التأثير عبر بيئات الصراع، يقوم الآخر على توسيع دوائر الشراكة عبر التنمية والاستقرار وبناء الثقة.*

*ومن هنا، فإن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بميزان القوى العسكري، وإنما بقدرة الدول على تقديم نموذج أكثر استدامة في إدارة علاقاتها الإقليمية.*

*وأمام المنطقة ثلاثة سيناريوهات رئيسة.*

*السيناريو الأول* استمرار أنماط النفوذ التقليدية مع بعض التعديلات التكتيكية، بما يبقي بؤر التوتر قائمة وإن بدرجات متفاوتة.

*والسيناريو الثاني*، اتجاه الأطراف إلى تهدئة مرحلية تفرضها الاعتبارات الاقتصادية والسياسية، دون إحداث تغيير جوهري في طبيعة السياسات الإقليمية.

*أما السيناريو الثالث،* وهو الأكثر إيجابية على المدى البعيد، فيقوم على مراجعة شاملة لمفهوم النفوذ، بحيث تصبح قوة الدولة، ومتانة الاقتصاد، واحترام السيادة، والتعاون الإقليمي، هي الأساس الحقيقي للمكانة والنفوذ.

وتشير القراءة الاستراتيجية إلى أن السيناريو الثاني هو الأقرب في المدى المنظور، إلا أن الاتجاه العام يبدو أكثر ميلا نحو تعزيز دور الدولة الوطنية، وتقليص مساحة الفاعلين غير الحكوميين، وترسيخ قناعة متزايدة بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يستقر في ظل استمرار التنظيمات المسلحة العابرة للحدود بوصفها أدوات دائمة للسياسة.

لقد علمتنا التجارب أن النفوذ الذي يقوم على الأزمات يظل رهينة لها، أما النفوذ الذي يقوم على التنمية والشراكة والثقة فيمتلك فرصا أكبر للاستمرار والتأثير.

*ولهذا، فإن السؤال الذي سيحدد ملامح الشرق الأوسط في السنوات المقبلة لن يكون:*

*من امتلك أدوات نفوذ أكثر؟*

*بل:*

*من استطاع أن يبني نفوذا أكثر استقرارا، وأقل كلفة، وأكثر خدمة لمصالح شعبه وجيرانه بل ؛ واحتراما لسيادة جيرانه؟*

*إن الإجابة عن هذا السؤال لن ترسم مستقبل التوازنات الإقليمية فحسب، بل ستحدد أيضا أي النماذج سيكون أقدر على البقاء في مرحلة تتغير فيها معايير القوة بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.*

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.