أقلام ناشئة

السجن الوردي : الإيريثروفوبيا

السجن الوردي : الإيريثروفوبيا 

دقاتُ عقارب الساعة الرتيبة، همساتُ الطالبات الجانبية، وصوتُ حفيف صفحات الكتاب بينما المعلمة تقلب فيها ببرود… في هذه الأثناء، كانت روين جاليةً متيبسةً في مكانها، كأنها تمثال من شمع. كانت تضغط بأصابعها الباردة على قلمها بقوة، وقلبها يعتصر خلف ضلوعها خوفاً وتوتراً. في رأسها، كان عقلها ينسج ببراعة قطاراً من الأفكار السوداوية التي تزيدها رعباً:
“ماذا لو اختارتني المعلمة لحل السؤال؟ ماذا لو تلعثمت في الإجابة وأصبح الجميع يضحكون علي؟ ماذا لو احمرّ وجهي حتى يصبح بلون الدم والكل ينظر إلى ارتباكي؟”
​لم تكن روين خائفة من الإجابة بحد ذاتها، بل على العكس ،فهي من أكثر الطالبات تفوقاً وذكاءً في دفتعتها، والسطور في عقلها مرتبة وواضحة. لكن كان هنالك وحشٌ واحد يعيقها، غامض وخفي، وهو ما يُسمى علمياً “رهاب احمرار الوجه خجلاً” (الإيريثروفوبيا)، وهو أحد أشرس أنواع الرهاب الاجتماعي. كانت روين تعاني بشدة في صمت، وهو ما جعلها الآن تختنق بتلك الحالة من الرهبة. ففي عالمها الخاص، الخجل ليس مجرد حياءٍ فِطري… إنه زنزانة ضيقة تجعلها تفضل الانعزال التام والتظاهر بالجهل، على أن تلفت الأنظار.
​قاطع جحيم أفكارها صوت المعلمة وهي تنادي اسمها بصوت مرتفع قليلاً، بعد أن لاحظت غيابها عن الواقع. رفعت روين رأسها بجسد يرتجف، لترد بتلعثم وتأتأة حابسة لأنفاسها:
“ن… نعم أستاذة، إنني.. إنني أستمع إليكِ.”
​عمّ الهدوء القاعة فجأة، وكان هذا الصمت بالنسبة لها مرعباً أكثر من الضجيج. زادت وتيرة دقات قلبها بعنف حارق، حتى خُيّل إليها أن زميلاتها في المقاعد المجاورة يسمعن الطبول الصاخبة في صدرها. راحت عيناها تتجولان في سقف الغرفة وأرضيتها بسرعة، هرباً من الالتقاء بعيني المعلمة أو الطالبات، يجلدها شعور بالخزي لأنها لم تجب منذ المرة الأولى.
​لكن الصدمة نزلت عليها حين أمرتها المعلمة: “قومي يا روين إلى السبورة وحلي السؤال”.
فزعت روين، وجفّ حلقها تماماً، وشعرت بغثيان التوتر يجتاح أحشاءها، لتسأل بصوت متحشرج: “أ.. أأتي.. للسبورة!؟”
ردت المعلمة بنبرة غاضبة: “أجل يا روين، ما بكِ اليوم؟ هيا تعالي وحلي المسألة سريعاً لننتهي”.
خطت روين خطواتها وثقل الكون كله فوق كاهلها، كانت تمشي مسرعة لتقليص زمن الجحيم، متمنية فقط التخلص من هذا الإعصار الوجداني الذي يعصف بها، والذي لن ينتهي إلا بعودتها لمقعدها مستترة عن الأنظار.
​مرت الأيام والأسابيع، ولا زالت روين تعيش المغزل ذاته في كل مرة تواجه فيها البشر. الخوف.. التوتر.. المراقبة الذاتية الحادة، حيث تحصي على نفسها الأنفاس والحركات. لوم النفس على أصغر الأشياء، وجلد الذات المستمر حتى تآكلت ثقتها بنفسها.
​إن “الإيريثروفوبيا” معركة نفسية حارقة تُخاض خلف ملامح هادئة؛ حيث يتحول الخجل من عاطفة إنسانية دافئة إلى مهددٍ مستمر للأمان الشخصي. كانت روين تقع يومياً في فخ ‘المراقبة الذاتية المفرطة’؛ فتصبح واعية برعب لكل نبضة قلب، ولكل حشرجة في صوتها، ولكل قطرة دم تتدفق بعنف إلى وجنتيها لتفضح ارتباكها رغماً عنها. هذا الخوف لم يكن يكتفي بإشعال جسدها بالتوتر وجفاف الحلق في لحظة المواجهة، بل امتد ليصبح قيداً غير مرئي يفرض عليها عزلة اختيارية قاسية. جعلها تراقب الفرص وهي تمر من أمامها دون أن تجرؤ على مد يدها لالتقاطها. ترى زميلاتها يخطئن، ويضحكن، ويمضين ببساطة، بينما هي تحاسب نفسها على الكلمة والنظرة، مستسلمة للانسحاب كجدار حماية وحيد، لكنه كان جداراً يحرمها من الحياة، ويجعلها تعيش كسجينة خلف جدار زجاجي سميك؛ ترى الحياة ولا تلمسها.
​ولكن، جاء ذلك اليوم العاصف الذي زلزل جدران عزلتها بالكامل، وبدأ بسلسلة أحداث تراكمت كصدمات متتالية لتوقظ روحها.
​بدأ الأمر في الحصة الأولى، عندما تعثرت معلمة بديلة جديدة وهي تدخل الفصل، لتسقط أوراقها وتتناثر أرضاً. احمرّ وجه المعلمة بشدة وبدا عليها ارتباك هائل لثوانٍ. كانت روين تراقب المشهد بأنفاس محبوسة، منتظرة “الكارثة” والمهانة التي تخشاها دائماً، لكن ما حدث فاجأها؛ إذ نهضت الطالبات بمحبة وساعدنها، وابتسمت المعلمة بخجل ومضى الموقف بسلام كأن شيئاً لم يكن. أضاءت شرارة أولى في عقل روين، وسألت نفسها بذهول: ‘إذا كان الكبار يرتجفون ويخجلون ويمر الأمر ببساطة دون أن ينقص من قدرهم شيء، فلماذا أحاكم نفسي بالإعدام يومياً؟’
​لم تكد تستوعب هذا الدرس الوجداني، حتى وضعتها الحياة في اختبار أكثر مرارة في الحصة التالية؛ عندما اتُّهمت صديقتها المقربة بتمزيق لوحة الأنشطة ظلماً، وكانت روين هي الشاهدة الوحيدة التي تملك دليل براءتها. لكن عندما طُلِب منها الدخول للإدارة لتشهد، هجم عليها وحش الرهاب بجفافه ورعدته الشاقة، فجبنت، وانسحبت، واختبأت في غياهب صمتها. خرجت صديقتها باكية، والتقت عيناهما بنظرة عتاب صامتة حطّمت قلب روين إرباً.

هنا شعرت بمرارة حارقة ،إن خوفها لم يعد يؤذيها وحدها، بل أصبح يظلم ويخذل أكثر الناس قرباً لقلبها.
​وفي نهاية اليوم نفسه، جاءت الطعنة التي أيقظتها تماماً من غيبوبتها ،أعلنت المدرسة عن نتائج مسابقة الكتابة الإبداعية التي سهرت روين الليالي تطرز كلماتها بشغف ودموع. فازت نصوصها بالمركز الأول! كان عليها الصعود للمنصة لاستلام جائزتها وقراءة نصها أمام الطالبات. لكن الرعب شلّ أطرافها مجدداً، فرفضت الصعود وتنازلت. ومن مقعدها الخلفي، راقبت زميلة أخرى تصعد بدلاً عنها، تقرأ كلماتها بحرية، وتسرق مجهود عمرها وسط تصفيق الحاضرين الحار.
​في تلك اللحظة، مع غصة الخسارة الساحقة، ودموع صديقتها المخذولة، ومشهد المعلمة البديلة، انهار جدار الخوف في أعماق روين. شعرت بامتلاء قلبها بجرأة لم تعهدها من قبل، وأدركت بمرارة أن سجن الخجل لم يعد يحميها، بل يسرق أحلامها، وجهدها، وعلاقاتها علناً. كان هذا التراكم العنيف كفيلاً بأن يجعلها تعيد حساباتها، وتتخذ قراراً حاسماً بكسر القيود والمواجهة، مهما كلف الثمن.
​تغيرت روين كثيراً بعد ذلك اليوم ،غادرت شرنقتها المظلمة لتصبح فتاة اجتماعية مقبلة على الحياة. واجهت ذلك الخوف الهائل، وتعرفت على زميلات جدد، ونسجت صداقات حقيقية. أصبحت تشارك في جميع الحصص بحماس، ترفع يدها وتتحدث دون أي ذرة خوف من ملامحها أو ارتباكها، ولاحظ الجميع هذا التحول الإعجازي. انهالت عليها كلمات المدح والثناء من معلماتها اللواتي بهرهن هذا التغير الجذري.
​وعندما عادت إلى منزلها، زفت لعائلتها الخبر؛ لم تعد تتسلل إلى غرفتها كظل، بل أخبرتهم برأس مرفوع وعينين تلمعان بالإصرار أنها ستتولى تقديم الإذاعة المدرسية القادمة. تلقت عائلتها الخبر بصدمة ذهول، تلتها فرحة غامرة دمعت لها أعينهم؛ فرؤية ابنتهم وهي تكسر قيود سنوات من الصمت الخانق كانت بمثابة ولادة جديدة لها ولهم، محولةً قلقهم الطويل عليها إلى فخرٍ واعتزاز لا تسعه جدران الكون.

✍🏻 ريم عبود بافنع

 

ريم عبود بافنع

كاتبة رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.