إجازة تكتمل بفكرة

إجازة تكتمل بفكرة
بينما كان القرص الذهبي يلمّ أشعته ليعلن اقتراب الرحيل، وتتسلل سكينة العصر إلى المدى، كانت هناك فتاة تجلس في حديقةٍ قرب منزلها، تقرأ روايةً ما، وهي منسجمةٌ تمامًا مع أحداثها.
تقرأ بعض الكلمات، فيقوم عقلها بتحويل هذه الأحرف إلى مشاهد حيّة، كأنها فيلمٌ خيالي يُعرض في مخيلتها. وما إن انتهت من قراءة الكتاب، حتى أغلقت صفحاته بابتسامةٍ براقة، وهي تتنهد بارتياح.
فكّرت قليلًا، ثم تحدثت إلى نفسها قائلة:
“لقد بدأت الإجازة الصيفية، ولم أخطط بعد للأنشطة التي سأرفّه بها عن نفسي… همم، ما الذي سأقوم به هذه المرة يا تُرى؟”
غرقت في تفكيرها الطويل، ولم تنتبه للوقت الذي كان يركض من حولها، حتى انتبهت فجأة إلى القرص الذهبي وقد غاب تمامًا، تاركًا خلفه بقايا ضوءٍ باهت. وبدأت خيوط المغرب الأولى تنسج ظلالها الهادئة، معلنةً دخول عتمة الليل الدافئة التي بددت سكينة العصر.
بعدما أدركت ذلك، وضّبت الفتاة آخر أغراضها، وركضت نحو منزلها والبهجة تسبق خطوتها. مرّ بقية ذلك اليوم في غمرة السعادة ،بين دفء المطبخ ورائحة الحلويات الزكية التي كانت تخبزها، وترتيب زوايا المنزل استعدادًا لليلةٍ استثنائية، يُحتفى فيها بنجاحها واجتيازها مرحلتها الدراسية بتفوق.
وفي اليوم التالي، استيقظت صباحًا، وقبيل أن تولد خيوط الشروق الأولى، كانت تجلس على سريرها يغمرها تعبٌ لذيذ يمتزج براحة الإنجاز. نظرت إلى السقف وابتسمت ممتنةً لأحداث ليلة الأمس التي حُفرت في قلبها كذكرى دافئة لا تُنسى.
لقد غمرها الجميع بالحب ، إذ فاجأها والداها بتذكرة طيران إلى تلك البلاد التي طالما سافرت إليها في أحلامها، والمقرر شدّ الرحال إليها بحلول الشهر القادم. أما صديقاتها، فقد أهدينها كنزًا حقيقيًا. مجموعة من الكتب التي كانت تتوق لاقتنائها، فالكتب بالنسبة لروحها هي الملاذ الأجمل.
ولم تنتهِ المفاجآت هنا، بل اصطحبها إخوتها إلى قاعة السينما، لتهتز مشاعرها أمام شاشةٍ عرضت مقطعًا خاصًا صنعته عائلتها وأحبابها، يفيض بكلمات الحب والدعوات لها بمستقبلٍ جامعي زاهر يليق بطموحها بعد الثانوية.
همّت بالنهوض، ورتبت غرفتها لتفسح مكانًا هادئًا لأدوات الرسم، علّها تداعب الألوان وتكسر جمود الوقت، إذ لم يكن لديها ما تفعله في بداية هذه الإجازة.
مرّ الوقت بنَوْمٍ هادئ، حتى تربع النهار في منتصف الظهيرة، وسكبت الشمس دفقًا من حرارتها المألوفة. قررت الفتاة أن تخرج لاستنشاق الهواء والتجول في أرجاء مدينتها رفقة صديقتها. وما هي إلا لحظات حتى أقبلت سيارة صديقتها، فركبت بجانبها، وألقت التحية بابتسامة، لتنطلق المركبة تحت سماء الظهر الساطعة.
وبينما كانت صديقتها تقود متأملةً الطريق، انشغلت هي بتصفح هاتفها، ليقع نظرها على مقطع فيديو عابر، لكنه حمل في تفاصيله نقطة التحول.
كان مقطعًا يشرح مهارةً تُعد بمثابة لغة المستقبل الشابة ،صناعة وتصميم الفيديو. لم تكن الكلمات وحدها ما جذبها، بل التنسيق الساحر للألوان، وتناغم اللقطات، ونبرة صوت المتحدث التي كانت تتأرجح بحماس يعيد صياغة المشاعر.
استمعت بإنصات، لتكتشف أن الحديث يمس شغفًا دفينًا في صدرها ،مهارةً تجيدها في مخيلتها منذ زمن.
ومع تركيز المتحدث على القيمة العظمى لهذه المهارة في سوق العمل الحديث، وجمال تأثيرها الإنساني، أضاءت فكرة في عقلها، وقالت لنفسها:
“بما أن أمامي شهرًا كاملًا قبل السفر، فلمَ لا أجعل من هذا الفراغ مساحةً لتنمية هذا الشغف والاستفادة منه؟”
حوّلت الحماس فورًا إلى فعل ،بحثت عن طرق التعلم، ورسمت خطةً محكمة وجدولًا صارمًا لترتاد هذا العالم بثبات.
مرت الأيام والأسابيع، والوقت يركض حاملًا معه إصرارًا لا يلين. التزمت بجدولها بكل أمانة، ترفض التكاسل، وتطوّع برامج المونتاج المعقدة بصبر. ومع كل لقطةٍ تقصها وتعدّلها، كانت مهارتها تُصقل بشكلٍ مذهل حتى شارفت على الاحتراف.
أصبحت تتقن أدوات المونتاج الرقمي وفنون السرد البصري، فباتت قادرة على صياغة المشاهد بطريقة تجعل الأفكار الجامدة تنبض بالحياة، وتتحدث أمام أعين المشاهدين بحرية.
قادها ذلك الإصرار الصيفي إلى أفقٍ عظيم لم تكن تتخيله. أصبحت اليوم مخرجةً رقمية ومونتيرة محترفة يُشار إليها بالبنان، وتتسابق كبرى الشركات العالمية والعلامات التجارية المحلية للحصول على لمستها الإبداعية الفريدة، لتصنع بها هويتها البصرية، محققةً مستقبلًا وظيفيًا باهرًا، وكاسبةً مكانتها واستقلاليتها بجدٍّ ائتمنت عليه.
وعرفت حينها أن الأفلام التي كانت تدور في مخيلتها لم تكن مجرد أوهام عابرة، بل كانت شغفًا حقيقيًا ينتظر من يوقظه، لقد صبّت إصرارها في مهارة صناعة الأفلام والمونتاج الرقمي.
✍🏻ريم عبود بافنع