قطار الوجهة المجهولة

قطار الوجهة المجهولة
كان أهل مدينة “النور” يتناقلون أسطورة قديمة منذ مئات السنين. تقول الأسطورة إن قطارًا أسود اللون يظهر مرة واحدة كل عشر سنوات، عند الساعة الثانية عشرة ليلًا تمامًا، في محطة مهجورة لا يقترب منها أحد.
لا يحمل القطار رقمًا، ولا اسمًا، ولا يعرف أحد من أين يأتي أو إلى أين يذهب.
وكانوا يقولون دائمًا:
“من يصعد إليه… يعود شخصًا مختلفًا.”
كان سامر شابًا في الثامنة عشرة من عمره. لم يكن يؤمن بالخرافات، وكان يضحك كلما سمع قصة القطار.
لكن في إحدى الليالي، وبينما كان يبحث عن مكان هادئ ليلتقط صورًا للقمر، وجد نفسه أمام المحطة المهجورة.
نظر إلى ساعته.
كانت تشير إلى الثانية عشرة تمامًا.
وفجأة…
شق الصمت صوت صفارة قطار طويلة، رغم أنه لم يكن هناك أي سكة مستخدمة منذ عشرات السنين.
ثم ظهر من بين الضباب قطار أسود لامع، يسير ببطء شديد، حتى توقف أمامه.
فُتحت الأبواب وحدها.
ولم ينزل منها أحد.
كان بوسعه أن يهرب.
لكن فضوله كان أقوى من خوفه.
صعد.
وما إن جلس، حتى أغلقت الأبواب بهدوء، وانطلق القطار.
داخل القطار، كان كل شيء هادئًا بصورة غريبة.
الإضاءة دافئة، والمقاعد قديمة لكنها نظيفة.
وكان الركاب صامتين.
بعضهم يقرأ كتابًا.
وبعضهم ينظر من النافذة.
وبعضهم يبتسم وكأنه يعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون.
اقتربت منه امرأة مسنة ترتدي زي موظفة القطار.
قالت بابتسامة هادئة:
“مرحبًا بك.”
سألها سامر:
“إلى أين نحن ذاهبون؟”
ابتسمت ولم تجب.
ثم أعطته بطاقة صغيرة.
كتب عليها:
“وجهتك هي الحقيقة التي تهرب منها.”
ارتبك سامر.
بعد دقائق، توقف القطار عند أول محطة.
كان اسمها…
محطة الندم.
خرج بعض الركاب.
وبقي آخرون.
نظر سامر من النافذة.
فرأى أشخاصًا يسيرون في الشوارع وهم يحملون صناديق ضخمة على ظهورهم.
سأل الموظفة:
“ما هذه الصناديق؟”
قالت:
“إنها الأشياء التي ندموا عليها، ولم يستطيعوا تركها.”
ثم تحرك القطار.
المحطة الثانية كانت تسمى:
محطة الخوف.
كان الضباب يغطي كل شيء.
وكل شخص هناك كان يركض من ظلٍ لا وجود له.
قالت الموظفة:
“الخوف الحقيقي ليس ما يطاردنا…
بل ما نصنعه في عقولنا.”
المحطة الثالثة كانت مختلفة.
اسمها:
محطة الأحلام.
رأى أطفالًا يرسمون.
وشبابًا يعزفون الموسيقى.
وعلماء يجرون التجارب.
لكن بعض المقاعد كانت فارغة.
سأل:
“لماذا هي فارغة؟”
قالت:
“هذه أماكن من تخلوا عن أحلامهم قبل أن يحاولوا.”
شعر سامر بشيء يضغط على قلبه.
فقد كان يحلم أن يصبح مهندسًا، لكنه بدأ يعتقد أن حلمه أكبر منه.
واصل القطار رحلته.
وفي كل محطة كان يرى معنى جديدًا.
محطة الصبر.
محطة التسامح.
محطة الفرص الضائعة.
محطة البدايات.
وكان في كل مرة يشعر أنه يتغير من الداخل.
بعد ساعات طويلة، وصل القطار إلى آخر محطة.
كان اسمها:
محطة نفسك.
لم يكن فيها أحد.
ولا مبانٍ.
ولا أشجار.
فقط مرآة ضخمة.
اقترب سامر منها.
لكنه لم يرَ وجهه.
بل رأى نفسه بعد عشرين عامًا.
رجلًا ناجحًا، يساعد الناس، ويبتسم بثقة.
ثم اختفت الصورة.
وظهرت صورة أخرى.
رأى نفسه شخصًا استسلم للخوف، وترك أحلامه، وأصبح يعيش نادمًا.
ظهر على المرآة سؤال واحد:
“أي الطريقين ستختار؟”
أغلق سامر عينيه.
وقال بثبات:
“أريد أن أحاول… حتى لو فشلت.”
ابتسمت الموظفة لأول مرة.
وقالت:
“إذن… انتهت رحلتك.”
استيقظ سامر فجأة على مقعد المحطة المهجورة.
كانت الشمس قد بدأت تشرق.
ولم يكن هناك أي قطار.
ولا أي أثر له.
ظن للحظة أن كل ما حدث كان حلمًا.
لكن عندما وضع يده في جيبه، وجد البطاقة الصغيرة.
ما زالت تحمل العبارة نفسها:
“وجهتك هي الحقيقة التي تهرب منها.”
ومنذ ذلك اليوم، تغيرت حياته.
اجتهد في دراسته، ولم يسمح للخوف أن يقوده.
كان كلما شعر باليأس، أخرج البطاقة، وابتسم.
مرت السنوات.
وأصبح مهندسًا ناجحًا كما حلم.
وفي إحدى الليالي، بعد عشر سنوات بالضبط، مر بجوار المحطة المهجورة.
سمع صفارة القطار مرة أخرى.
التفت نحوها.
ورأى القطار الأسود يقف في مكانه.
لكن هذه المرة…
لم تُفتح الأبواب له.
بل رأى شابًا آخر يقف مترددًا على الرصيف، يحمل في عينيه الحيرة نفسها التي كانت في عيني سامر قبل سنوات.
ابتسم سامر في هدوء، وأدرك أن القطار لا يبحث عن الأشخاص الكاملين، بل عن أولئك الذين يملكون الشجاعة ليواجهوا أنفسهم.
ثم انطلق القطار وسط الضباب، واختفى كما ظهر…
وبقيت قصته سرًا لا يعرفه إلا من سمع صفارته في ليلةٍ هادئة، وقرر أن يركب قطار الوجهة المجهولة.
✍ نوال فهد القحطاني