أقلام ناشئة

أيام لاتنسى

أيام لاتنسى

ربما يظن الإنسان أن بعض الأيام تمرّ وتنتهي، ثم يكتشف بعد سنوات أن هناك أيامًا لا تنتهي أبدًا، لأنها تبقى في الذاكرة مهما ابتعدت.

كانت حياتنا بسيطة، تمضي بأيامها العادية، ولم نكن نعرف أن لحظة واحدة قد تغيّر شكل الحياة في أعيننا. ثم جاءت الحرب، فتبدّل كل شيء،أصبح الخروج من البيت خوفًا، وأصبح صوت القصف والرصاص حاضرًا في تفاصيل أيامنا، وأصبح الأمان الذي كنا نراه أمرًا عاديًا أمنية نتمنى أن تعود.

ومن بين تلك الأيام، كان هناك موقف لا يزال عالقًا في ذاكرتي ،فقدت صديقتي في المكان نفسه الذي كنا فيه، ومنذ ذلك الوقت لم يعد الخوف مجرد شعور عابر، بل أصبح شيئًا نعيشه كل يوم. كنا نعلم أن الخطر قريب، وأن ما حدث لغيرنا قد يحدث لنا، حتى أصبحنا نترقب المجهول ونحن لا نعرف ماذا تخبئ لنا الساعات القادمة.

ومع مرور الأيام، لم تكن الحرب تأخذ منا شعور الأمان وحده، بل بدأت تأخذ أبسط الأشياء التي اعتدنا عليها. بدأ الماء والطعام بالنقصان، وأصبح الحصول عليهما يحتاج إلى خوف وانتظار ومحاولة. ومع ذلك، كنا نحاول أن نتمسك بما لدينا، وأن نكمل أيامنا بما بقي لنا من صبر.

وفي وسط ذلك كله، كانت هناك مواقف تجعلنا ندرك كم كانت العناية بنا أكبر مما نرى. خرج أخي من المجلس في الطابق العلوي، وبعد خروجه بوقت قصير أصيب المكان بالرصاص. في تلك اللحظة لم نكن نعرف ماذا كان يمكن أن يحدث لو بقي فيه، لكننا عرفنا أن النجاة قد تأتي أحيانًا في صورة لحظة عابرة لا ننتبه إلى عظمتها إلا بعد أن تمر.

ثم جاء يوم رأى فيه والدي في منامه أن أخي قد أصابه مكروه، وفي الوقت نفسه تقريبًا وصلنا تحذير بضرورة الخروج من المكان. لم نكن نعرف ماذا سيحدث، لكن والدي قرر أن نغادر، وكأن تلك الرسالة كانت فرصة أخرى للنجاة.

خرجنا، وكان الطريق مليئًا بالخوف. كنا نحاول الابتعاد عن المكان، والرصاص خلفنا.
يومها أدركت أن النجاة ليست دائمًا شيئًا نعرف قيمته في لحظته ،أحيانًا لا نفهمها إلا بعد أن نصل إلى مكان آمن ونلتفت إلى ما تركناه خلفنا.

انتقلنا بعد ذلك إلى بيت صغير، غرفتان لعائلتين كبيرتين، وبدأت مرحلة أخرى من الحياة. كنا نستيقظ أحيانًا عند الخامسة صباحًا بحثًا عن الماء، وأحيانًا نعود دون أن نحصل على ما نحتاج إليه.

كانت أيامًا صعبة، لكنها تركت في داخلي شيئًا لن يزول. علمتني أن الأشياء التي نراها بسيطة في حياتنا قد تكون أعظم النعم، وأن الأمان الذي نعتاد عليه ليس أمرًا مضمونًا، وأن الإنسان لا يعرف قيمة بعض الأشياء إلا عندما يصبح فقدانها قريبًا منه.

وربما لهذا السبب لا تُنسى بعض الأيام ،ليس لأنها كانت جميلة، بل لأنها غيّرتنا.

قد تمر السنوات، وتتغير الأماكن، وتتبدل تفاصيل الحياة، لكن بعض المواقف تبقى في القلب كما هي، تذكّرنا بما عشناه، وبمن فقدنا، وبمن نجونا بهم، وبنعمةٍ لم نكن نعرف قيمتها إلا عندما خفنا أن نفقدها.

وربما الشيء الذي لا يُنسى ليس موقفًا واحدًا فقط، بل شعورٌ كامل عاشه الإنسان، ثم بقي معه مهما مضت الأيام.

ربما الشيء لا يُنسى، لأنه ترك فينا أثرًا لا يستطيع الزمن أن يمحوه.

✍🏻فاطمة إبراهيم الحربي

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.