جدار الذكريات وحكاياه

جدار الذكريات وحكاياه
منـيرا الـعتـيبي
حين ضللت طريقي في أحد الشوارع الجانبية وأنا أبحث عن وجهتي، جذبتني عشوائية الجدران؛ فعلى أحدها كُتبت عبارة «الناس أجناس.. ذكريات عزوز» بجانب رسوم متواضعة، وعلى جدارٍ آخر خطّ أحدهم بافتخار «السعودي فوق فوق».هناك، حين تحمل الجدران ما تكدّس عليها من حكايات عابرة؛ رسوماتٌ بالبخاخ، وعيونٌ فارغة تحدّق في الشارع، وقلوبٌ مهشّمة، وأسماءٌ كُتبت على عجل، وعباراتٌ بدت كأنها تستعجل النجاة من النسيان. بين ضياع الطريق وصدمة البصر، تراءى لي سؤال: ما الذي يجعل الإنسان يكتب صوته على الحجر؟..
نمرّ بجانبها غالبًا دون أن نتوقف. نراها شخابيط عابرة، أو تشويهًا للمدينة، أو أثرًا لفوضى مراهقة لا أكثر. لكن الجدار، لو كان يستطيع الكلام، لربما أخبرنا أن هذه العلامات ليست وليدة هذا العصر، وأن الإنسان منذ أن عرف معنى الأثر، وهو يبحث عن سطحٍ يترك عليه شيئًا منه.
منذ أن طبع إنسان الكهف كفّه على جدارٍ من الطين، والإنسان يحاول أن يقول شيئًا على الحجر. ترك الصيادون رسومهم، وخلّد القدماء أسماءهم وطقوسهم وحكاياتهم، وامتلأت جدران المدن القديمة بكتاباتٍ بقيت بعد أن غاب أصحابها بقرون طويلة. ثم جاءت المدن الحديثة، وتغيّرت الأدوات ولم تتغيّر الغريزة كثيرًا. البخاخ بدل الفحم، والدهان بدل الحجر، والجدار بدل الكهف؛ لكن الجملة الخفية بقيت واحدة: ” كنت هنا ”
فهل الكتابة على الجدران طبعٌ بشري قديم؟ أم أنها شكلٌ من أشكال التعبير لم يجد صاحبه مساحةً أخرى؟ أم أنها مجرد رغبة عابرة في كسر الصمت الذي تفرضه المدينة؟
لا يمكن تبرير تشويه الفضاء العام لمجرد أن وراءه دافعًا إنسانيًا. فالمدينة ليست دفترًا مفتوحًا لكل عابر، والجدار العام ليس ملكًا فرديًا لمن يقرر أن يكتب عليه. وحين يتحول التعبير إلى اعتداء على المكان، يفقد شيئًا من مشروعيته مهما كانت العبارة جميلة. لكن إدانة السلوك لا تلغي السؤال الذي يقف خلفه. لماذا يحتاج الإنسان إلى أن يترك علامة على شيء صامت؟
ربما لأننا، في أعماقنا، لا نخشى الغياب بقدر ما نخشى أن نغيب دون أثر. وحين تتأمل جداراً لعله يتجاوز عشوائية الشارع، تجد القسوة في أطهر تجلياتها؛ كأن تمرّ بجانب جدار مقبرة قديمة، لترى أحدهم قد خطّ بالبخاخ الملون بوجعٍ عارٍ: «الله يرحمك يا محمد»، وإلى جواره عبارة أثقل من الحجر: «مدفون قلبي هنا».
من هنا لا تستوقفنا بعض الكتابات بسبب جمالها، بل بسبب صدقها الغامض؛ اسمٌ كُتب مرة واحدة، تاريخٌ بلا تفسير، قلبٌ يخترقه سهم، جملةٌ غاضبة، أو رسمٌ لا نفهمه، لكنه يخبرنا أن شخصًا ما مرّ من هنا وهو يشعر بشيء لم يجد له مكانًا آخر.
والغريب أن بعض هذه الجدران تتحول، مع الوقت، إلى أرشيفٍ عفوي للمدينة. طبقاتٌ فوق طبقات؛ يكتب جيل، ثم يأتي آخر فيغطيه، ثم يظهر جزءٌ من القديم تحت الجديد، وكأن المكان نفسه يحتفظ بما حاول الناس محوه.
لهذا تبدو الجدران أحيانًا أكثر وفاءً من أصحابها. هي لا تسأل من كتب، ولا لماذا كتب، ولا تحتفظ بالضغينة تجاه العبارة الرديئة أو الرسم الناقص. فقط تحملها. ثم تتركها للزمن، حتى تتقشر الألوان، وتبهت الحروف، ويبقى من الحكاية ما يكفي لأن يثير فضول عابر لا يعرف شيئًا عن صاحبها.
ولعل المفارقة أن ما نراه اليوم «شخبطة» قد يصبح غدًا وثيقة. فالتاريخ لم يُكتب كله في الكتب؛ جزءٌ منه ظلّ على الجدران، في النقوش والرسائل والأسماء والرموز، حتى أصبح ما كان يومًا فعلًا عابرًا مادةً نقرأ من خلالها حياة أناس لم نلتقِ بهم قط.
ومع ذلك، ليست كل كتابة على جدار جديرة بالخلود. بعضها لا يحمل سوى فراغ صاحبه، وبعضها صرخة مؤقتة، وبعضها محاولة ساذجة لانتزاع الانتباه.
وربما هنا تكمن قيمة الظاهرة نفسها؛ فهي تكشف تفاوت البشر في دوافعهم بقدر ما تكشف قدرتهم المشتركة على ترك الأثر. الجدار لا يعرف الفرق بين عاشقٍ كتب اسمًا، ومراهقٍ رسم وجهًا، وغاضبٍ ترك عبارة، وفنانٍ حوّل الإسمنت إلى لوحة. كلهم تركوا شيئًا وراءهم، ثم مضوا.
وبينما نسير في الشوارع المزدحمة، متوهمين أننا نمتلك المدن ونقود تفاصيلها، تظل هذه الجدران الخرسانية الصامتة شاهدًا يعرفنا أكثر مما نود الاعتراف به؛ تسجل ببطءٍ مخيف قصص الذين مروا من هنا، حتى تتحول الحوائط يومًا إلى مقبرةٍ كبرى لآثار أرواحٍ عبرت الحياة خلسة، ولم يتبقَّ منها سوى طلاءٍ متقشر على حجرٍ لا ينسى.
وربما لهذا، حين نرى شخبطةً على جدار، لا نرى دائمًا فوضى. أحيانًا… نرى إنسانًا حاول ألّا يختفي.
