بوصلة الجَهْبَذ

بوصلة الجَهْبَذ
منـيرا الـعتـيبي
لا يعاني الإنسان الحديث من شحّ المعرفة، بل من فائضها. لم تعد مشكلته أن يصل إلى المعلومة، وإنما أن يعرف أيّها يستحق أن يُصدَّق، وأيّها يستحق أن يُفحَص، وأيّها لا يستحق أن يستهلك منه شيئًا.
على امتداد التاريخ، كانت المعضلة في الوصول إلى المعرفة ومصادرها؛ أما اليوم، فقد انقلب المشهد تمامًا. أصبحت المعلومة تلاحق الإنسان قبل أن يبحث عنها، والرأي يُقدَّم له قبل أن يكون له رأي، والفرصة تُسوَّق له قبل أن يعرف إن كان يحتاجها أصلًا. وفي هذا الطوفان، لم يعد الخطر في الجهل وحده، بل في أن يختلط الصحيح باللامع، والعميق بالشائع، والحقيقة بما يحظى بأعلى قدر من التفاعل.
المشكلة إذن ليست في كثرة الأصوات، بل في أن نفقد القدرة على التمييز بينها.
حين تتشابه العناوين، وتتكرر الآراء، ويتحول الانتشار إلى معيار للحقيقة، يصبح العقل مهيأً للانقياد دون أن يشعر. يكفي أن يصفق الجميع لفكرة حتى تبدو صحيحة، أو يهاجموها حتى تبدو باطلة. وهنا يبدأ الاستلاب الحقيقي: حين يستعير الإنسان حكمه من الجماعة، ثم يظن أنه حكمه الخاص.
في هذا السياق، يستعيد مفهوم «الجهبذ» قيمته بصورة تتجاوز معناه التراثي. فالجهبذ ليس الأكثر معرفة، ولا الأكثر حديثًا، ولا ذلك الذي يخالف الآخرين لمجرد إثبات استقلاله.
الجهبذ هو من يمتلك ملكة الفرز؛ لا يصدّق لأن الجميع صدّقوا، ولا يرفض لأن الجميع رفضوا.
إنه العقل الذي يستطيع أن يقف للحظة خارج الزحام ويسأل:
ما الدليل؟
ما الأصل؟
ما الذي أعرفه فعلًا؟
وما الذي انتقل إليّ فقط لأن الآخرين كرروه؟
وهذه الملكة تصبح أكثر إلحاحًا كلما اتسع العالم الرقمي. ففيه لا تُمنح الأفكار قيمتها دائمًا بقدر ما تحمله من حقيقة، بل كثيرًا ما تكتسبها من سرعة انتشارها، وعدد من يرددونها، ومن براعة تقديمها. قد يتحول الرأي إلى «حقيقة» من كثرة تداوله، وقد تتحول الشائعة إلى قناعة لأنها وصلت إلينا بصيغة واثقة.
والأخطر أن العقل لا يحتاج إلى كذبة كبيرة كي يُضلَّل؛ يكفي أحيانًا أن يُقدَّم له جزء صحيح في إطار مضلل.
لذلك، لا تتمثل الجهبذة في جمع المزيد من المعلومات، بل في امتلاك معيارٍ يحاكم المعلومات. ليست القضية كم نقرأ ونشاهد ونسمع، وإنما ماذا نفعل بكل ما يصل إلينا.
العقل الجهبذي لا يكتفي بالسؤال: «ماذا يقولون؟» بل ينتقل إلى السؤال الأصعب: «لماذا يقولون ذلك؟»
يفحص المصدر قبل المعلومة، والسياق قبل الحكم، والمصلحة قبل الخطاب، والدليل قبل الانطباع. لا تنطلي عليه كثرة التكرار، ولا تغريه ندرة الرأي لمجرد أنه نادر. فهو لا يبحث عن موقف مختلف؛ يبحث عن موقف صحيح، حتى لو انتهى به ذلك إلى موافقة الأكثرية أو مخالفتها.
وهنا تكمن المفارقة:
الاستقلال الفكري لا يعني أن تكون ضد القطيع، بل أن تكون قادرًا على السير وحدك عندما يقودك الدليل إلى ذلك.
في زمنٍ أصبح فيه الانتباه سلعة، والرأي منتجًا، والانتشار شهادةً زائفة على القيمة، أصبحت القدرة على التوقف قبل التصديق نوعًا من القوة. أن تؤجل حكمك ليس ضعفًا، وأن تقول «لا أعرف» ليس نقصًا، وأن تغيّر رأيك حين يتغير الدليل ليس تناقضًا.
ولعل الجهبذة لا تظهر فقط في القدرة على التحقق مما نقرأ، بل في القدرة على معرفة ما لا يستحق أن نقرأه أصلًا. ففي زمن يستطيع أن يملأ يومك بآلاف الأصوات، ليست الحكمة أن تفحص كل صوت، وإنما أن تعرف أيّ الأصوات لا تستحق أن تمنحها انتباهك. فليس كل ما يصل إليك معلومة، ولا كل ما يثير فضولك يستحق وقتك، ولا كل ما يطلب رأيك يستحق أن تمنحه رأيًا.
تلك هي بوصلة الجهبذ:
أن يعرف متى يصغي، ومتى يشك، ومتى يتوقف، ومتى يقول: لا أدري بعد.
فليس أخطر ما يمكن أن يحدث للعقل أن يجهل الحقيقة، بل أن يفقد الرغبة في البحث عنها؛ وأن يستبدل مشقة التحقق براحة التصديق.
لا شيء يسقط الإنسان أسرع من استسهال التصديق؛ ففي زمن يصرخ فيه الجميع، لا ينجو بالضرورة من يملك الصوت الأعلى، بل من يملك البوصلة التي تمنعه من أن يضلّ الطريق.
✍🏻 كاتبة سـعوديـة

