كُتاب الرأي

*بالبنـط العـريض*

*بالبنـط العـريض*

منـيرا الـعتـيبي

لسنا دائمًا ما نكتبه بالبنط العريض…
أحيانًا تكون حياتنا الحقيقية، بأفراحها الصغيرة وانكساراتها الدافئة، مكتوبة بخطٍ صغير وخافت في هامشٍ لا يلتفت إليه أحد.

تُصمَّم العناوين الرئيسية دائماً لتوجيه الانتباه ولتختصر الحكايات المعقدة في كلمات معدودة.
في العمل الصحفي والإعلامي، المانشيت المكتوب «بالبنط العريض» هو الواجهة الصارخة للحدث، وهو أمرٌ مشروع وضروري للإظهار والوصول؛ فالعناوين مهمة، والإنجازات تستحق أن تظهر وتُرى بكامل ألقها.
لكن الخبرة الإنسانية العميقة تعلّمنا أن المانشيت يمنحنا الانطباع الأول فقط، بينما تسكن الحقائق الأكثر عمقاً وثباتاً في السطور الداخلية، وتحديداً في ذلك الهامش الهادئ الذي يتجاوزه العابرون.

*• إغواء الواجهة وامتحان الهوامش*
نحن نعيش في زمنٍ يُغري بالبنط العريض؛ نكتب مبادئنا بأسلوبٍ ملفت، ونعلن تحولاتنا الكبرى بوضوح، ونحب أن يرانا العالم في صورنا الأكثر اكتمالاً. نعلن التسامح والصبر والصلابة والشغف بكلمات كبيرة أمام الناس.
والجمال ليس في إخفاء واجهاتنا أو التنكر لها، بل في ألا نُفتن بها إلى الحد الذي ينسينا أصل المعنى.
لكن المأزق الإنساني يبدأ تماماً حين ينتهي الاستعراض؛ حين يُغلق المسرح، وتنطفئ الأضواء الصارخة،ويجد الإنسان نفسه أعزلاً في مواجهة الاختبارات الحقيقية:
* تلك الاختبارات التي لا تحظى بجمهور.
* ولا يُكتب عنها تقرير صحفي.
* ولا يتلقى صاحبها عليها تصفيقاً أو إشادة.
إنها المعارك التي تُعاش بخطٍ صغير جداً، يصعب قراءته دون تركيزٍ عميق وانحناءة صادقة نحو الداخل.

*• اختلال ميزان الاهتمام*
يحدث الشرخ النفسي حين ننشغل بصيانة “العنوان” على حساب “المضمون”؛ حين تصبح العناوين التي نرفعها للعلن أكبر بكثير من الحقائق التي نملكها في الخفاء:
* نعلن الثبات بالبنط العريض: بينما نتخبط في الهامش بحثاً عن طمأنينة مؤقتة.
* نرفع شعارات التعافي بصوت مرتفع: بينما نبكي في الصمت اللائذ خلف الكواليس على تفصيلٍ صغير لم يلاحظه أحد.
* نكتب المبادئ بحروف ضخمة: بينما نُمتحن في تطبيقها في المواقف الصامتة اليومية.
إنها المفارقة الإنسانية: أن نُستهلك حتى النفاذ في حماية الصورة الصارخة التي صدّقها العالم، وننسى أن الروح لا تتغذى على المانشيتات، بل تحيا بما يجري في المساحات الصامتة بين السطور.

*• إعادة الاعتبار للخط الصغير*
حتى الهوامش في المخطوطات والكتب القديمة كانت أحيانًا موطنًا لأعمق الشروح والتأملات؛ فالهامش ليس دائمًا مكان النقص، بل قد يكون موطن المعنى والحقيقة.
وفي حياتنا الشخصية، الهامش هو أحد الأماكن القليلة التي نكون فيها نحن.. بلا رتوش ولا ادعاء:
* هو الاعتذار الصادق الذي يتسلل بين شخصين دون إعلان.
* هو الصبر على الحزن في ليلة هادئة دون استعراض القوة.
* هو البناء الصامت لنسخة جديدة منا، تتشكل بعيداً عن أعيُن المتابعين والمنتظرين.

*• نقطة نهاية السطر*
الغاية ليست أن نتجاهل العناوين أو ننكر أهمية ما نبرزه للعالم من نجاحات، بل ألا نجعل حجم العنوان أكبر من قيمة المحتوى الذي نحمله في الداخل.
لن تُقاس جودة حياتنا يوماً بحجم الحروف التي كتبنا بها واجهاتنا أمام الآخرين، بل بتماسك ودقة السطور الصغيرة التي عشناها بيقينٍ ورضا بعيداً عن الأنظار.
ليس عليك أن تكون عنواناً رئيسياً في كل يوم؛ يكفيك جداً أن تكون حقيقة دافئة ومكتملة في هامشكِ الخاص.

فالأشياء الأكثر صدقاً وعمقاً في هذا العالم لم تُكتب قط بالبنط العريض.. بل كُتبت بهمسٍ ثابت، لا يُمحى.

✍ كاتبة سعودية

 

 

منيرا العتيبي

كاتبة رأي وصحافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.