كُتاب الرأي

حراس الندوب

حراس الندوب

” عن أكذوبة الصفحة البيضاء “

منـيرا العـتيبي

*حين يكون الاحتفاظ بالأثر دليلاً على النضج، لا عجزًا عن التجاوز.*

يطالبونك مع كل انكسار أو خيبة ببدء “ صفحة بيضاء جديدة ”
وهي ذات المغالطة التبسيطية التي تسوقها بعض الأطراف في المجتمع وتلح عليها بعض مسارات التنمية البشرية؛ يغرونك بنقاء بياضها المزعوم، لكنهم لا يخبرونك أن الصفحة البيضاء لم تصبح ذات قيمة إلا بعد أن كُتب عليها.

ولست أعني هنا الدعوات الصحية الرصينة التي تدعو إلى تقبل الماضي والتصالح معه والتعلم منه.
بل أعني بعض الدعوات والنصائح المتداولة على ألسنة بعض المقربين وعامة الناس والتي تختزل التعافي في محو التجربة، وكأن النضج يبدأ من نسيان الذاكرة لا من فهمها.

*وهم البدايات المعقمة*
تزدحم بعض الخطابات المعاصرة بدعوات متكررة إلى
“ التجاوز الفوري” و” كشط الماضي ” والبدء من الصفر كأن شيئًا لم يكن. وتُقدَّم الذاكرة الخالية من الندوب بوصفها الصورة المثالية للإنسان المتعافي.

وفي كثير من الأحيان يُصوَّر الإنسان الكامل على أنه من لا يحمل أثرًا ولا يتردد ولا يحزن طويلًا؛ وكأن اكتمال الإنسان مرهون بخلو سيرته من آثار الطريق.
لكن الإنسان ليس نتاج ذاكرة ممسوحة بل نتاج ما فهمه من تجاربه. فالتجربة لا تُلغى وإنما يُعاد تأويلها والندوب لا تنقص من إنسانيتنا بل تشهد على أننا عبرنا الحياة حقًا.

*الورقة المجعدة تحمل الحكاية*
في فلسفة الكتابة والوجود البياض المطلق لا يروي شيئًا. أما الورقة التي حملت آثار الحبر، والمحو، والطي، والتعديل، فهي وحدها التي تشهد أنها عاشت.
فالورقة الملساء التي لم تمسسها ممحاة، ولم يُكتب فيها سطر لا تحكي قصة.
أما الورقة التي تجعدت أطرافها من كثرة التقليب، ثم فُردت لتُستأنف الكتابة عليها فهي التي تحمل هوية صاحبها.
وثناياها ليست تشوهًا بل جغرافيا رحلة كاملة رحلة صنعت إنسانًا أكثر وعيًا وأقدر على رؤية الأشياء كما هي لا كما تبدو.

*أبطال الندوب*
ثمة أشخاص لا يحرسون ندوبهم لأنهم أسرى للماضي بل لأنهم يدركون أن فيها خلاصة ما تعلموه.
لم يولدوا أكثر حكمة من غيرهم
لكن التجربة غيّرت طريقة نظرهم إلى الحياة.
خرجوا منها أكثر بصيرة، يزنون الوعود، ويقرأون الوجوه بهدوء، ويعرفون أن النضج لا تمنحه الأيام وحدها
بل الطريقة التي نفهم بها ما مررنا به.
لذلك لا يرون الندبة عيبًا ينبغي إخفاؤه وإنما أثرًا يذكّرهم بما كان ويمنعهم من تكراره.
إنها شاهد على رحلة لا سجن يعيشون داخله.
خرجوا وفي أيديهم شهادة لا تمنحها الجامعات، بل تمنحها الحياة.

*شجاعة البقاء*
التجاوز الحقيقي لا يعني النسيان ولا الادعاء بأن الماضي لم يترك أثرًا . كما أن السلام الداخلي لا يولد من محو الذاكرة
بل من القدرة على النظر إلى التجربة دون أن تعيدنا إلى ألمها الأول.

ولا أدعو إلى السكن في الألم بل إلى عدم محو المعنى الذي تركه الألم . فالندبة ليست مكانًا نقيم فيه وإنما علامة طريق تمنعنا من الضياع مرة أخرى.
ولهذا ….
فإن الإشكال ليس في الدعوة إلى التعافي وإنما في اختزال التعافي في محو التجربة. فبعض الدعوات إلى “ البدء من الصفر ” حين تُفهم حرفيًا قد تفضي إلى التنكر للتجربة الإنسانية وكأن النضج يبدأ من محو الذاكرة لا من فهمها

لا تبحث عن ورقة بيضاء….
احتفظ بصفحتك القديمة لا لتعيش أسيرها بل لتتذكر الطريق الذي أوصلك إلى ما أنت عليه اليوم.
فالتجاوز الحقيقي لا يبدأ حين نمحو آثار الرحلة وإنما حين نُحسن قراءتها.

احتفظ بصفحتك القديمة أساسًا متينًا تبني عليه الصفحة الجديدة واكتب فوق ما تعلمته لا فوق ما نسيته.

✍ كاتبة سعودية

 

 

منيرا العتيبي

كاتبة رأي وصحافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.