متى تتوقف الامتيازات؟

متى تتوقف الامتيازات؟
محمد الفريدي
مسؤول كان الجميع يقف عندما يدخل، وتسبقه أفراد الحماية، وتتوقف السيارات عند المدخل، ثم يترجل من أحدث طرازاتها، ويتجه إلى مكتبه.
وكان مكتبه يشغل طابقين كاملين؛ خصص الأول له وحده، ويضم مكتبا واسعا، وسكرتارية، وصالة استقبال، وقاعة اجتماعات فخمة، وغرفة نوم كبيرة، وخدمات ضيافة لا تقل عن فنادق السبع نجوم.
كما خصص له سائق متفرغ بسيارة حكومية لتوصيل أبنائه وبناته إلى مدارسهم وإعادتهم إلى المنزل، وسيارة أخرى بسائقها تحت تصرف زوجته وعائلته.
أما الطابق الثاني، فكان يضم الإدارات المساندة، والسكرتارية التنفيذية، وإدارة المتابعة، والإعلام والعلاقات، وكل ما يلزم لخدمته وخدمة مكتبه.
كان الهاتف لا يتوقف، والطلبات تنفذ قبل أن تكتمل، والأبواب تفتح بمجرد وصوله، ويرافقه موكب من السيارات وأفراد الحماية في كل تحركاته، حتى بدا لكثيرين أن تلك المظاهر مخصصة لشخصه، وليست مجرد أدوات مرتبطة بمنصبه.
لكن في صباح مختلف جاء على غير المتوقع؛ اختفت سيارات الموكب، وغابت الحماية، وانتقلت جميع تلك الامتيازات إلى من خلفه في المنصب، وصدر مرسوم ملكي بإحالته إلى التحقيق، ثم اقتيد إلى القضاء متهما في قضية فساد انتهت بإدانته، والحكم عليه بالسجن.
في تلك اللحظة أدرك من حوله حقيقة بسيطة كثيرا ما تغيب وسط البهرجة، وهي أن كل ما أحاط بذلك المسؤول لم يكن ملكا له، وإنما كان امتيازا مرتبطا بالمنصب، وما إن غادره حتى غادرته جميع تلك الامتيازات في اللحظة نفسها.
الامتيازات في أصلها ليست موضع اعتراض، فهي وجدت لتمكين المسؤول من أداء مهامه بكفاءة وسرعة، لكن ما يستحق النقاش هو حدود هذه الامتيازات، ومتى تنتهي، وكيف تبقى مرتبطة بالمنصب لا بالشخص، حتى لا تتحول من وسيلة لخدمة العمل إلى عبء وتبديد للمال العام، أو إلى امتياز دائم لا مبرر له.
مشكلتنا تبدأ عندما تتحول تلك الوسائل المؤقتة إلى امتيازات دائمة، أو إلى شعور بالاستحقاق، أو إلى مكاسب تستمر حتى بعد انتهاء المهام؛ فالمناصب مسؤولية وليست ملكية خاصة، والامتيازات وجدت لخدمة العمل لا لخدمة الأشخاص.
ولذلك يجب أن تبقى مرتبطة بمتطلبات المنصب، وتنتهي بانتهاء المسؤولية، حتى لا تتحول إلى عبء على المال العام، أو إلى طبقية تتعارض مع مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص.
في أي دولة حديثة، من الطبيعي أن يحصل بعض كبار المسؤولين على امتيازات تساعدهم على أداء مهامهم، مثل وسائل النقل الرسمية، والمكاتب المجهزة، وفرق العمل المساندة، والسكن في بعض الحالات.
فهذه ليست منافع شخصية، بل أدوات يفترض أن ترتبط بطبيعة المسؤولية وحجم الأعباء الملقاة على عاتق شاغل المنصب.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحا دائما هو: أين تنتهي متطلبات الوظيفة، وأين تبدأ الامتيازات التي لا مبرر لها؟ وهل كل ما اعتاده بعض المسؤولين ضرورة تفرضها طبيعة العمل، أم أنه تحول مع الوقت إلى عرف لا يستند إلى حاجة حقيقية؟
وهل تخدم هذه الامتيازات المصلحة العامة، أم أصبحت عبئا على المال العام؟ وأين يقف الحد الفاصل بين ما يقتضيه المنصب، وما يعد مبالغة لا تضيفها الوظيفة ولا يحتاج إليها الأداء؟
بلادنا تشهد اليوم مرحلة تطوير إداري ومالي واسعة، تقوم على رفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز الحوكمة، وتحقيق أعلى درجات الكفاءة في إدارة الأموال العامة.
وهذه المبادئ لا تكتمل إلا إذا خضعت جميع المصروفات الحكومية، بما فيها الامتيازات الممنوحة لبعض المسؤولين، للمراجعة المستمرة، للتأكد من ارتباطها بالحاجة الفعلية لا بالمكانة الوظيفية وحدها.
فالسيارات الرسمية، والمكاتب المجهزة، وأطقم العمل، وتذاكر السفر، والتنقل في المهمات الرسمية، وغرف النوم الفندقية، جميعها امتيازات مبررة عندما تخدم المصلحة العامة.
لكنها تفقد مبررها إذا تحولت إلى وسائل للراحة الشخصية، أو استمرت بعد انتهاء الحاجة إليها، أو توسعت بصورة لا تضيف قيمة حقيقية للعمل الحكومي.
كما أن بعض المناصب قد تستدعي توفير مزايا خاصة بحكم طبيعة مسؤولياتها، بينما توجد مناصب أخرى يمكن أن تؤدى بالكفاءة نفسها دون هذا الحجم من المصروفات.
ولذلك فإن المعيار العادل ليس المسمى الوظيفي، وإنما طبيعة العمل والعائد الذي تحققه تلك الامتيازات.
إن المواطن اليوم أصبح أكثر وعيا بطريقة إدارة المال العام، ولم يعد ينظر إلى الإنفاق الحكومي بوصفه أرقاما مجردة، بل باعتباره أموالا يفترض أن تنعكس على جودة الخدمات، وتطوير التعليم، وتحسين الرعاية الصحية، وتوسيع البنية التحتية، وخلق الفرص الاقتصادية.
ولذلك فإن أي امتياز لا يحقق مصلحة عامة واضحة يصبح موضع تساؤل مشروع، ومن أهم مؤشرات نجاح المؤسسات الحكومية قدرتها على إنجاز أعمالها بأقل تكلفة ممكنة، لا بأعلى حجم من الإنفاق.
فالإدارة الناجحة تقاس بكفاءة الأداء، وسرعة الإنجاز، وجودة الخدمة، لا بعدد السيارات، أو فخامة المكاتب، أو كثرة المزايا الإدارية.
كما أن ثقافة الترشيد تتعزز من أعلى الهرم الإداري؛ لأن المسؤول عندما يقدم نموذجا في الاعتدال، فإنه يسهم في ترسيخ ثقافة احترام المال العام داخل المؤسسة بأكملها.
أما إذا اتسعت دائرة الامتيازات دون ضوابط واضحة، فقد يبعث ذلك برسائل غير مقصودة، ويؤثر في مستوى الثقة بعدالة توزيع الموارد.
ولذلك فإن وضوح المعايير وتطبيقها بصورة متساوية يسهمان في تعزيز الثقة، ويؤكدان أن الامتيازات ترتبط بمتطلبات العمل ومقتضياته.
ولا يعني هذا الطرح الدعوة إلى إلغاء جميع الامتيازات، فبعضها تفرضه طبيعة العمل، وإنما المقصود إخضاعها للتقييم الدوري، وربطها بمعايير موضوعية، وقياس أثرها الفعلي على الأداء، وإيقاف أي ميزة لم يعد لها مبرر إداري أو مالي أو مسوغ نظامي.
لقد أثبتت التجارب أن الدول الأكثر نجاحا ليست تلك التي تمنح مسؤوليها أكبر قدر من الامتيازات، وإنما تلك التي تجعل كل سنت ينفق قابلا للتبرير والمساءلة، وتربط الإنفاق بالنتائج لا بالمناصب.
واليوم، ومع ما تشهده المملكة من مشاريع تنموية كبرى، فإن ترسيخ ثقافة كفاءة الإنفاق في جميع مستويات الإدارة، بما في ذلك مراجعة الامتيازات الوظيفية كلما دعت الحاجة، ينسجم مع أهداف التطوير الإداري، ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة.
ويؤكد ذلك أن المال العام أمانة، وأن أفضل امتياز يمكن أن يحصل عليه أي مسؤول هو نجاحه في خدمة وطنه وتحقيق مصالح المواطنين.
ومن الجوانب التي تستحق النقاش أيضا، الامتيازات التي تستمر مع المسؤول حتى بعد انتهاء مهمته، أو تلك التي تمنح بصورة تلقائية دون مراجعة دورية لمدى الحاجة إليها.
فالأصل في الوظيفة العامة أن يكون الامتياز مرتبطا بالمنصب لا بالشخص، وينتهي بانتهاء الحاجة التي وجد من أجلها، وكلما كانت الأنظمة أكثر وضوحا في هذا الجانب، قل الجدل، وازدادت الثقة بعدالة الإجراءات.
كما أن وجود معايير موحدة بين الجهات الحكومية يعد أمرا بالغ الأهمية، فمن غير المنطقي أن تختلف الامتيازات بصورة كبيرة بين جهات متقاربة في طبيعة أعمالها ومسؤولياتها.
فبينما يمنح جهاز ما المسؤول سيارة رسمية حتى بعد تقاعده، تسحبها جهة أخرى بمجرد انتهاء خدمته، فيغادر مكتبه كما دخله، دون أي امتياز مرتبط بمنصبه السابق.
إن توحيد الضوابط يحقق العدالة بين المسؤولين أنفسهم، ويمنع الاجتهادات الفردية التي قد تؤدي إلى تفاوت لا يستند إلى أسس موضوعية.
ومن القضايا التي تستحق المراجعة كذلك كثرة اللجان، والانتدابات، والوفود الرسمية في بعض المناسبات، فالتطور التقني أتاح اليوم عقد الاجتماعات عن بعد، وإنجاز كثير من الأعمال إلكترونيا.
وهو ما يقلل الحاجة إلى التنقل المتكرر، ويخفض مصروفات السفر والإقامة، دون أن يؤثر في جودة العمل أو سرعة اتخاذ القرار.
وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن كثيرا من الاجتماعات التي كانت تتطلب السفر يمكن إنجازها بكفاءة من خلال الوسائل الرقمية.
ولا يقتصر مفهوم الامتيازات على الجوانب المالية المباشرة، بل يمتد أحيانا إلى استخدام الموارد الحكومية في أعمال لا ترتبط بالمصلحة العامة.
فالمركبات الرسمية، والمكاتب، والأجهزة، والكوادر الإدارية، جميعها أنشئت لخدمة العمل الحكومي، وليس لتلبية الاحتياجات الشخصية.
وكل استخدام خارج هذا الإطار، مهما بدا بسيطا، يفتح الباب أمام ثقافة تتعارض مع مبادئ النزاهة وترشيد الإنفاق.
ومن المهم أيضا أن تتطور ثقافة القياس داخل المؤسسات الحكومية، فإذا كانت هناك امتيازات تمنح لتحقيق هدف معين، فمن الطبيعي أن يقاس أثرها بصورة دورية.
هل أسهمت في رفع الإنتاجية؟ وهل حسنت جودة الأداء؟ وهل انعكس وجودها على مستوى الخدمات؟ فإذا لم تحقق النتائج المرجوة، فإن إلغاءها يصبح خطوة إدارية منطقية، وليس انتقاصا من مكانة أي مسؤول.
لقد نجحت المملكة خلال السنوات الماضية في بناء منظومة متقدمة للرقابة المالية والإدارية، وحققت تقدما ملحوظا في رفع كفاءة الإنفاق، وأصبح من المناسب أن تتوسع هذه الثقافة لتشمل التقييم المستمر لكل أوجه المصروفات الإدارية، بما فيها الامتيازات الوظيفية.
فالتطوير الإداري عملية متجددة، ولا توجد أنظمة لا تقبل المراجعة أو التحسين، كما أن المسؤول نفسه هو أول المستفيدين من وجود ضوابط واضحة.
وعندما تكون الامتيازات محددة بأنظمة معلنة وضوابط واضحة، تزول الاجتهادات الشخصية، ويتجنب المسؤول أي شبهة أو سوء فهم قد يثار حول ما يحصل عليه من مزايا، فالوضوح يحمي الأجهزة الحكومية، ويحمي المسؤول، ويعزز ثقة المجتمع بأحقية الامتيازات وعدالة الإجراءات.
ومن المفيد أيضا تعزيز مبدأ الإفصاح الشفاف عن أنواع الامتيازات المرتبطة بالمناصب القيادية، وفق ما تسمح به الأنظمة، فكلما كانت المعلومات أوضح، تراجعت الشائعات، وأصبح النقاش قائما على الحقائق، لا على الانطباعات.
إن الشفافية لا تهدف إلى إثارة الجدل، وإنما إلى ترسيخ قناعة بأن كل ما يصرف من المال العام يخضع لضوابط معلنة ورقابة مستمرة.
ومن الجوانب التي تستحق الاهتمام بناء ثقافة إدارية تجعل البساطة قيمة قيادية، فالمسؤول الذي يحرص على الاعتدال في استخدام الأموال العامة يرسل رسالة إيجابية إلى جميع العاملين معه، مفادها أن المحافظة على المال العام ليست واجبا نظاميا فحسب، بل هي سلوك قيادي يبدأ من أعلى المستويات.
وهذه الثقافة تنتقل تدريجيا إلى بقية الموظفين، فتنعكس على قرارات الشراء، وإدارة العقود، واستهلاك الموارد، وأساليب العمل اليومية.
كما أن التوسع في الامتيازات قد يؤدي، من حيث لا يقصد، إلى خلق فجوة نفسية بين المسؤول والمواطن.
فكلما اقترب المسؤول من واقع الناس، وشاركهم بيئة العمل والخدمة، أصبح أكثر قدرة على فهم احتياجاتهم، واتخاذ قرارات تراعي ظروفهم، أما المبالغة في المظاهر والامتيازات الإدارية، فقد تضع حواجز لا تخدم جودة القرار، ولا تعزز فاعلية الإدارة.
إن رؤية المملكة 2030 قامت على مبادئ الكفاءة، والاستدامة، وتعظيم الأثر، وهي مبادئ لا تقتصر على المشاريع الكبرى، بل تشمل أيضا تفاصيل العمل الحكومي اليومية.
وكل ريال يتم توفيره من خلال تحسين إدارة المصروفات الإدارية يمكن أن يوجه إلى مشروع تنموي، أو خدمة عامة، أو مبادرة تدعم الاقتصاد الوطني، وهو ما يحقق قيمة مضافة للمجتمع بأسره.
وعليه، فإن النقاش حول الامتيازات ليس نقاشا ضد المسؤولين، ولا تشكيكا في دورهم، بل هو جزء من ثقافة التطوير المستمر التي تقوم عليها الإدارة الحديثة.
فالمسؤول الناجح لا تقاس مكانته بما يحصل عليه من مزايا، وإنما بما يحققه من نتائج، وبقدرته على إدارة الموارد بكفاءة، وتحقيق أعلى منفعة ممكنة من كل ريال ينفق.
ولهذا فإن المراجعة الدورية للامتيازات، وربطها بالحاجة الفعلية، وتوحيد معاييرها، وتعزيز الشفافية في إدارتها، تمثل جميعها خطوات تتوافق مع مستهدفات التطوير الإداري، وتؤكد أن المال العام مسؤولية مشتركة.
وأن أفضل استثمار للمسؤول هو ما يعود بالنفع المباشر على الوطن والمواطن، ويعزز كفاءة أجهزة الدولة واستدامة نجاحها، فالمناصب تزول، والامتيازات تنتهي، أما الأثر الحقيقي فيبقى بما نقدمه لوطننا، وبما نتركه من إنجازات تخدم الأجيال، وترسخ قيم النزاهة والكفاءة والمسؤولية.




ينبغي تقنين الإمتيازات إلي حد فائدة المجتمع وإلا تعتبر إسراف بلا داع
مالم يتم حد الامتيازات حسب المصلحة العامة فلسوف تصبح مطاطية حسب ذمة صاحبها و قوة الرقابة عليه، سلمت اناملك أستاذ