حين يغيب القاضي الرحيم


حين يغيب القاضي الرحيم
محمد الفريدي
رحل القاضي الأميركي الشهير (فرانك كابريو)، الملقب بـ(القاضي الرحيم)، عن عمر يناهز 89 عاما، وترك خلفه صورة مختلفة عن صورة القاضي التقليدي؛ فلم يكن يفرّط في القانون أبدا، وإنما كان يُنصت، ولم يكن يُساوم على النظام، وإنما كان يرى الإنسان قبل المخالفة.
واشتهر عالميا عبر برنامجه (في قبضة عدالة بروفيدنس)، حيث شاهد الملايين كيف يطبّق العدالة بحزم دون أن يفقد قلبه الرحيم، فجمع بين قوة القانون وإنسانية الموقف في صورة قضائية مختلفة عن المألوف.
هذا القاضي يثير في داخلي تساؤلات كلما شاهدت له مقطعا: لماذا لا نرى نماذج مماثلة على نطاق واسع في الوطن العربي، ولدينا في المملكة نماذج تستحق الإشادة؟ ولماذا تبدو الرحمة في كثير من المجتمعات العربية أمرا غير معتاد، بينما تعد في تجارب أخرى نهجا معمولا به، وجزءا لا يتجزأ من الممارسات القضائية؟
ما الذي يجعل تطبيق الرحمة هناك جزءا أصيلا من منظومة الإنصاف والنزاهة، بينما يبدو لدينا الأمر غير مألوف ولا يُلتفت إليه كثيرا؟ وهل تعود المسألة إلى طبيعة النصوص، أم إلى فلسفة تطبيقها، أم إلى المساحة التقديرية الممنوحة للقاضي التي لا تتيح له الموازنة بين الإطار النظامي وروح العدالة؟
كثيرٌ من أنظمتنا القضائية تتضمن في نصوصها مساحات تتيح للقاضي مراعاة الظروف، لكن المشكلة تكمن في ثقافتنا القضائية السائدة، وفي بيئتنا التي تغذّي فكرة أن الشِّدَّة دليلُ هيبة، وأن التخفيف ضعف، وأن إظهار التعاطف تَسَيُّبًا؛ فيختار بعض قضاتنا السلامة على حساب الرحمة والرأفة.
وبضغط العمل الهائل، وتراكم الملفات وكثرة القضايا وضيق الوقت، يصبح الاستماع الدقيق مستحيلا، وتتحول الجلسة إلى إجراء سريع، ويختفي البعد الإنساني خلف المواعيد والملفات والأرقام والمداولات.
ولا يعود القرار القضائي نتاج تأمّل وإنصات دقيق، بل نتيجة إجراءات وموادّ قانونية، وحصيلة إيقاع سريع تفرضه الظروف، فيتراجع حضور الإنسان، ويطغى حضور الملفات والمتهمين والشهود والاتهامات والأحكام والقوانين.
وعلى ما أعتقد، فإن كثيرا من برامج إعداد القضاة لدينا تركز على النصوص والمواد، والإجراءات القانونية والنظامية والإدارية، مع أن من الممكن توسيع الاهتمام بمهارات التواصل، وفهم الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمتقاضين.
فالقاضي الرحيم لا يولد صدفة، بل هو نتاج علم وتربية وثقافة وتجربة وفهم بدور القضاء في حماية المجتمع، فالحكم العادل لا يكتمل بالنصوص والمواد والإجراءات وحدها، بل بسماع ظروف وملابسات من سيُحكم عليه.
والخوف من النقد العام في زمن المنصات الرقمية جعل أي قرار مخفف يقتطع من سياقه ويهاجم، فيختار البعض طريقا أكثر أمانا، وهو تطبيق النصوص والمواد بحذافيرها دون مساحة للاجتهاد.
كابريو لم يُلغِ الغرامات، ولم يُعطِّل القانون، لكنه كان يسأل: لماذا لم تدفع؟ هل لديك عمل؟ هل تعيل أسرة؟ هل تمر بظروف صحية؟ كان يرى أن العدالة ليست مجرد عقوبة، بل توازنا بين الخطأ والظروف، وهذا الفهم عزّز ثقة الناس بالقضاء الأمريكي، ولم يُضعفها.
حين يرى المواطن أن القاضي يسمعه ويستمع إلى ظروفه، حتى لو صدر الحكم ضده، يشعر بأن عملية التقاضي عادلة، وأن الثقة به ترتكز على الإحساس والإنصاف، بعد تفهّم ظروفه وسماعها والتأكد منها، قبل أن يُدينه وتطبق عليه القوانين والأنظمة.
فكيف نصنع قضاة أكثر إنسانية من القاضي الرحيم كابريو؟ الحلول ليست مستحيلة في ظني، لكنها تتطلب إرادة تنظيمية دقيقة، وتعزيز التدريب على مهارات التواصل والذكاء العاطفي ضمن برامج إعداد القضاة، وتوسيع الصلاحيات التقديرية في القضايا البسيطة، مع وضع ضوابط للشفافية.
ونبرز النماذج الإيجابية لدينا إعلاميا، ليصبح التعاطف قيمة مهنية، وقوة ناعمة لا مجازفة فردية، ونغرس في مجتمعنا أن ثقافة الرحمة حاضرة لدينا أيضا، وأنها لا تتنافى مع الشرع، ولا مع هيبة محاكمنا وقضائنا، بل تعززها، وأن العدالة التي تُشعر الإنسان بإنسانيته هي وحدها القادرة على بناء ثقة لا تهتز بمحاكمنا.
القضاء ليس آلة حسابية ولا جلادا يرفع علينا سوطه، وإنما هو مؤسسة أخلاقية قبل أن يكون جهازا إجرائيا، وعندما يغيب عنه البعد الإنساني تتحول العدالة إلى نصّ جامد وبارد، حتى وإن كانت أحكامه صحيحة من الناحية القانونية والشرعية.
وجود نموذج القاضي فرانك كابريو في محاكمنا ليس أمرا صعبا، وإنما هو نتيجة ثقافة مجتمع يمكن تغييرها، ولا يتحقق ذلك إلا بقضاة يدركون أن تطبيق القوانين لا يعني قسوة القلب ولا تقريع المتهم، وأن الاستماع إليه وإلى ظروفه ليس ضعفا، وأن إنسانيته وحقوقه ركنٌ مهم من أركان تحقيق العدالة.
رحل (فرانك كابريو)، لكن فكرته لم ترحل من رأسي؛ فالقانون يحمي المجتمع، والرحمة تحفظ إنسانيته، وبينهما يولد القاضي الذي لا يُنسى، لأن أعظم ما يبقى من القضاء ليس الأحكام وحدها، بل الأثر الذي يتركه في نفوس الناس.
لِنُفْصِحْ عنها بوضوح: لا تبدو المشكلة في نُدرة القضاة الرحماء لدينا، وإنما في الحاجة إلى مزيد من تعزيز الجوانب التي تدعم هذا النهج، من خلال ترسيخ قيم الرحمة في الممارسة القضائية، وتعزيز البعد الإنساني في تطبيق العدالة.
وتتمثل أيضا في إعطاء كل ذي حقّ حقّه، وإيجاد بيئة مهنية تُوازن بين صرامة القانون وروح العدالة.
فحين تُكافأ عدم المرونة أكثر من التعاطف مع الناس، وحين تُقاس الكفاءة بعدد الأحكام لا بأثرها، يصبح التعاطف مخاطرة مهنية، وتتحوّل العدالة إلى إجراء يُنجَز لا قيمة تُصان.
وبعض القضاة يخشون أن يتهموا باللين أو المجاملة، فيبالغون في تشديد الأحكام أو تطبيق أقصى العقوبات لحماية صورتهم، فنكسب قانونا يطبق، ونخسر ثقة بالقضاء تتآكل.
العدالة ليست سباقا إلى إصدار أقسى الأحكام، بل قرار متزن يراعي النصوص والواقع معا، فحين يغرم موظف بسيط مبلغا يفوق قدرته دون بحث في ظروفه قد يكون الحكم قانونيا وسليما، لكنه لا يكون عادلا بالمعنى الكامل.
لأن العدالة الحقيقية لا تقف عند حدود القوانين، بل تمتد لتقرأ ظروف المواطن، وتزن أثر الحكم عليه وعلى أسرته قبل أن تنطق به، لتكون إنصافا يحفظهما، لا مجرد إجراء يُطبَّق نصّا.
أو حين يُسجَن مثلا شاب لمخالفة بسيطة كان يمكن معالجتها بغرامة مخففة أو بخدمة مجتمعية، فإننا لا نُصلح المشكلة، بل نعقّدها، ونضيف إلى الشاب آثارا اجتماعية ونفسية واقتصادية تفوق قدرته على التحمل وطاقته المادية.
وهناك أيضا تصور يحتاج إلى مراجعة بشأن هيبة القاضي؛ فبعض الناس يربطها بالشدة، وقلة الرفق واللين، وبالنبرة الحازمة والقرارات النهائية، وقد يدفع هذا التصور إلى التقليل من أهمية الاستماع إلى المتقاضين، ومراعاة ظروفهم، حتى وإن كانت تستحق النظر والأخذ بها بعين الاعتبار.
والحقيقة أن هيبته تأتي من الاتزان والعدل، ومن قدرته على الشرح والتوجيه، والقاضي الذي يفسر أحكامه ويُظهر أنه استمع وفهم لا يفقد مكانته، وإنما يرسّخها، كما أن وضوحه وعدله وإنصاته للمتقاضين يجعل قراره أكثر قبولا، ويمنح هيبته بعدا إنسانيا يرسّخ الثقة في القضاء.
ثم لنتحدث عن البعد الاجتماعي، فكثير من القضايا الصغيرة مرتبطة بالفقر أو الديون أو ضعف الوعي، وإذا لم يدرك القاضي هذه الملابسات حاكمَ النتيجة وتجاهل السبب، وتحول الحكم إلى حكم قاس لا يلامس جوهر الواقع ولا يعالج جذور المشكلة.
والعدالة الذكية تعالج الأسباب قدر الإمكان، ولا تكتفي بمعاقبة الظاهر، لأن العدالة التي لا ترى الإنسان خلف القضية قد تنصف القانون، لكنها لا تنصف الحقيقة.
الحل لا يحتاج إلى شعارات كبيرة، بل يحتاج إلى مراجعة صريحة، وتقليل تكدس القضايا، وإتاحة وقت كاف للاستماع، وإدخال بدائل للعقوبات في القضايا البسيطة.
ويشمل ذلك قياس الأداء بمعايير تراعي الجودة والاحترافية ورضا المتقاضين، لا سرعة إغلاق القضايا فقط، مع حماية القاضي الذي يجتهد بإنسانية ضمن إطار القانون، بما يحقق عدالة أكثر توازنا، تجمع بين كفاءة الإجراءات وعدالة المخرجات، وتدعم ثقة الناس في نظامنا القضائي وترسّخها.
والأهم من ذلك هو إعادة تعريف الشدة، فهي لا تعني القسوة في الأحكام، وإنما تعني بكل تأكيد وضوح المبادئ والثبات في المعايير مع مرونة في الاجتهاد.
وإذا أردنا قضاة يشبهون القاضي الرحيم الأمريكي الراحل، فعلينا أن نُرسّخ نظاما قضائيا يسمح لهم بذلك في القضايا البسيطة، فلا يمكن أن نطالب بالرحمة ثم نعاقب من يمارسها.
الدول لا تُقاس بنصوص قوانينها فقط، وإنما بطريقة تطبيقها، والفرق بين عدالة تُخيفنا وعدالة تمنحنا الأمان هو شعور بسيط: هل سيسمعني القاضي إلى النهاية أم لا؟
ولنكن أكثر صراحة: العدالة لا تُخيفنا، وإنما تبعث فينا الطمأنينة، ولكن إذا دخلنا محاكمنا خائفين من القاضي أكثر من أملنا فيه وفي عدالته، فهناك خللٌ ما، فالقاضي ليس خصما لنا ولا ممثل ادعاء، وإنما هو ميزان عدل.
وإذا اختل هذا الميزان خوفا من القسوة والشدة والبعد عن الرحمة، تحوّل العدل إلى غُبن مُقنَّع، وعندها تبتعد العدالة عن غايتها الأساسية في تحقيق الإنصاف وصون كرامة الإنسان، وتفقد معناها الحقيقي، وتصبح مجرد إجراء قانوني بلا روح.
نحن لا نَدعو إلى إلغاء العقوبات، ولا تعطيل النصوص، وإنما إلى إتاحة مساحة للاستماع إلى المواطن قبل الحكم عليه، وفهم ظروفه قبل تقرير العقوبة؛ فالتدرج في التطبيق يُعزِّز هيبة الدولة والعدالة، والهيبة الحقيقية تقوم على عدل مُشاهَد يجمع بين احترام القانون، والإنصات إلى المواطن، ومراعاة ظروفه.
تكمن مشكلتنا في أننا نخلط بين الحزم والقسوة، فالحزم ضرورة، أما القسوة فليست كذلك، والشدة لا تعكس القوة، وإنما القوة الحقيقية تتجلى في امتلاك حقّ الفصل في النزاعات البسيطة وممارستها بوعي ومسؤولية.
إذا أردنا ترسيخ ثقة المواطن، فعلينا تحقيق التوازن، وإتاحة الوقت الكافي للقاضي للاستماع، وإبراز الأحكام التي تجمع بين الحزم والإنصاف؛ فالعدالة ليست مواد مكتوبة تُقرأ، وإنما أثر يلمسه الناس، فإذا خرج المواطن وهو يشعر بأنه حظي بمحاكمة عادلة، حتى إن لم يكن الحكم في صالحه، فقد تحققت الغاية المنشودة من العدالة.
هيبة القضاء لا تُصان بالقسوة، وضمير القاضي ليس عنصرا ثانويا، وإنما هو قلب العدالة ومركز توازنها، ويظل القاضي الرحيم نموذجا يذكّرنا بأن العدالة موقف قبل أن تكون نصوصا ومواد، وأن الفكرة ليست في استنساخ (فرانك كابريو) وإنما في استلهام نهجه.
فالقانون والقاضي يحميان المجتمع، والرحمة تصون جوهره، ولا تكون العدالة نصوصا جامدة، وإنما ميزانا يوازن بين الحق والإنصاف، وتبقى قوتها في قدرتها على الجمع بين الصرامة والرحمة دون إخلال بأحدهما.
ولم يصنع فرانك كابريو شهرته بالأحكام القاسية، وإنما بطريقة نظرته إلى الناس أثناء حكمه بينهم؛ فقد كان يدرك أن خلف كل قضية قصة، وخلف كل رقم قضية إنسان، وكانت بساطته سرّ تأثيره.
وقناعته بأن القضاء الرحيم لا يتعارض مع النظام، وأن الرحمة ليست ضعفا إنما شجاعة، وأن اجتماع القانون والرحمة في منصة واحدة يصنع قاضيا يحترمه الناس ويثقون بعدالته؛ والعدالة التي لا يشعرون في ظلها بالأمل والأمان تبقى قوانين بلا روح وأحكاما بلا أثر.




العدالة الحقيقية لا تكتمل بالقانون وحده، بل تحتاج إلى حكمة ورحمة تُنصف الإنسان دون الإخلال بالنظام. طرح جميل يستحق القراءة والتأمل.👍👍