حِبْرٌ بِعَبَقِ الْأَنْسَنَةِ

حِبْرٌ بِعَبَقِ الْأَنْسَنَةِ
————–
في البدء كانت الكلمة، لكن الكلمة لم تكن لتُحدث هذا الرنين الوجودي في عمق الكون لولا تلك النفحة الإنسانية التي غُمست فيها. الكتابة ليست مجرد رصٍّ للحروف أو صياغةٍ لغوية بارعة، بل هي عملية خلقٍ موازية، يعيد فيها الكاتب تشكيل العالم من منظور الروح. ومن هنا يبرز مفهوم الأنسنة بوصفه الجسر السري الذي يعبر عليه القارئ من عزلته إلى رحابة الوجود الإنساني المشترك.
وفي المعجم الأدبي والفلسفي، تتجاوز الأنسنة مجرد كونها استعارةً مكنيةً تُعير الصفات البشرية للجمادات والحيوانات؛ إنها أعمق من ذلك بكثير، حيث تتجلى كأنثروبومورفية وجدانية تلبس الطبيعة والأشياء المحيطة بنا مشاعرنا الخفية. فالمطر في النص المؤنسن لا يسقط لمجرد التكثف الفيزيائي، بل لأنه يبكي معنا، والريح لا تهب بفعل تباين الضغط الجوي، بل لتتنهد بالنيابة عن صدرٍ ضاق بالصمت. إنها عملية تذويب للحدود وهدم للجدران العازلة بين “الأنا” و”الآخر”، سواء كان هذا الآخر إنسانًا، شجرةً، أو جدارًا قديمًا، وإعادة صهر هذا كله في بوتقة الشعور الإنساني الواحد، ليكون الوعي هبة تمنح لكل ما هو صامت، فيتحدث الكون لغةً يفهمها القلب قبل العقل.
ولو جُرّدت الكتابة من أنسنتها، لتحولت إلى تقارير جافة، وأوراق إحصائية لا تهزّ في النفس وترًا، فالأنسنة هي النبض الذي يحول الورق الأبيض إلى قلبٍ يخفق. ومن خلالها تتحطم رتابة الواقع؛ فحين يقرأ الإنسان عن آلامه بلسان شجرة صفراء في الخريف، أو بلسان رصيف شارع منسي، يجد في هذا المجاز عزاءً دافئًا لا تقدمه الكلمات المباشرة. كما أن الأنسنة تلغي وحشة الإنسان في هذا الكون الشاسع، وتجعله يشعر أن الجبال، والنجوم، والبحار تتألم معه، تفرح لخطواته، وتشاطره هواجس البقاء والزوال، محققة اتصالًا كونيًا فريدًا. فضلًا عن كونها لغة رمزية شفافة تتيح للكاتب تمرير أعمق الأفكار الفلسفية والسياسية والاجتماعية تحت غطاء ناعم ومقبول، تمامًا كما فعل ابن المقفع في “كليلة ودمنة”، حيث كانت الحيوانات قناعًا لأنسنة قضايا العدل والحرية والسياسة. فالكتابة بدون أنسنة كجسد من مرمر؛ جميل وتام الصنع، لكنه يفتقد إلى دفء الحياة وبريق العيون.
ولأن الأنسنة هي روح الكتابة، فإن تفعيلها يفرض على الكاتب شروطًا وجودية قبل أن تكون فنية. أن تكون كاتبًا يتقن قواعد النحو والصرف أمرٌ متاح بالدربة والدراسة، أما أن تكون كاتبًا إنسانًا، فتلك مرتبة تتطلب صياغة خاصة للروح قبل القلم. الكاتب الإنساني يتحول إلى إسفنجة تمتص آلام الآخرين؛ لا يعيش في برج عاجي، بل ينزل إلى الشارع، يشم رائحة الخبز والتراب، ويتحسس مواضع الألم في عيون العابرين، يكتب بدموعه قبل حبره، ويشعر أن قضايا المنسيين والمهمشين هي قضيته الشخصية. هو ذلك المبدع الذي يتخلص من الأنا المتضخمة، فلا يكتب ليُقال عنه “عبقري”، بل ليكون صوتًا لمن لا صوت لهم، ونافذة نور لمن أطبق عليهم الظلام. ويتجلى صدقه في تعريه الفكري، حيث لا يخشى أن يظهر ضعفه، انكساره، أو حيرته أمام الوجود على الورق، وهذا الصدق الفطري هو ما يجعل القارئ يتنهد ويقول: “هذا الكاتب يكتبني”. إن الكاتب الإنسان هو من يتبنى قيم الجمال والخير والحق، فلا يسخر قلمه للهدم أو لبث الكراهية، بل يبني بيوتًا من أمل في أزمنة اليأس، ويغرس بذور المحبة حتى في الأراضي القاحلة.
في نهاية المطاف، ليست الكتابة ترفًا لغويًا، بل هي مسؤولية وجودية وأخلاقية، وعملية توليد دائم للأمل من رحم الألم. وعندما يعانق قلم الكاتب روح الأنسنة، يتحول الحبر على يديه إلى طين حيّ، تُنفخ فيه روح الفكرة، فيقف القارئ مدهوشًا أمام نصّ لا يقرأه بعينه فحسب، بل يصافحه باليد، ويحتضنه بالقلب، ويمشي معه في دروب الحياة كصديقٍ صدوق
لا يغيب.
بقلم /صباح أحمد العمري
