كُتاب الرأي

فلسفة الانتظار

فلسفة الانتظار
————

بقلم الكاتبة : صباح أحمد العمري

​لا يمكننا تعريف الانتظار بأنه مجرد “فجوة” زمنية بين حدثين، بل هو الزمن في أكثر حالاته تجليًا وحضورًا. إنه الوقوف على حافة الاحتمال، حيث يتمدد الوقت ليصبح مادة ملموسة نتحسسها بأعصابنا، وليس بعقارب الساعة. نحن لا ننتظر الأشياء فحسب، بل إننا في الحقيقة ننتظر أنفسنا في صيغة جديدة.
​في غرف الانتظار، وعلى أرصفة المحطات، وفي لحظات ترقب وصول فكرة أو عزيز، يحدث شيء مهيب: تتوقف الضوضاء الخارجية لتبدأ لغة داخلية. الانتظار هو المرآة التي تضعنا أمام حقائقنا المجردة؛ ففيه نكتشف مدى قدرتنا على الصبر، وفيه نختبر هشاشة أمانينا. إنه المختبر الذي نُصفي فيه مشاعرنا من الشوائب، فما يصمد معنا حتى نهاية الانتظار هو فقط ما يستحق الوصول.
​هناك حكمة خفية في التأجيل؛ لو نلنا كل ما نبغيه في لحظة اشتهائه، لفقَدت الأشياء بريقها. الانتظار هو الذي يمنح للوصول معناه، وهو الذي يطبخ الأحلام على نار هادئة حتى تنضج. إنه المسافة الضرورية بين “الرغبة” و”الارتواء”؛ تلك المسافة التي نملؤها بالخيال، والدعاء، وربما ببعض القلق الجميل.
​أما بالنسبة للكاتب، فالانتظار ليس عجزًا، إنما هو امتلاء. هو تلك الفترة التي تختمر فيها المعاني في اللاوعي، قبل أن تولد على الورق. نحن ننتظر الكلمة المناسبة كما ينتظر الفلاح المطر، مدركين أن استعجال الثمر قبل أوانه يفسد الطعم. إن أجمل النصوص هي تلك التي كُتبت في خيالنا ألف مرة قبل أن تتجلى في هيئة إبداع.
​قد يبدو الانتظار عند البعض ثقيلاً، كأنه قيد يمنعنا من المضي قُدمًا، لكنه في جوهره فرصة لإعادة ترتيب الفوضى الداخلية. إنه الفاصلة التي تمنح الجملة معناها، والنقطة التي تسبق السطر الجديد.
​إضاءة:
الانتظار هو تدريب حسي على تقدير قيمة اللحظة التي لم تأتِ بعد.

كاتبة رأي 

 

‫2 تعليقات

  1. قدمت الاستاذ صباح رؤية ومغايرة لمفهوم “الانتظار”، واخرجته ببراعة من إطاره التقليدي كونه مجرد وقت ضائع، لتضعه في سياق التجربة الروحية والذهنية المثمرة.
    رؤية فلسفية جدا عميقة

  2. بين الرغبة والارتواء تكمن فلسفة الصبر مقال يفيض بالوعي والحكمة حول قدرتنا على ترقب الوصول بجمال القلق رؤية مغايرة و قلم مبدع يغوص في أعماق النفس دام نبض قلمك أستاذة صباح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى