كُتاب الرأي

من ترك ملك

من ترك ملك

سلطان عيد المرشدي 

في خلوة الروح وجلال الحضرة، التفت جلال الدين الرومي إلى شيخه ونور قلبه شمس الدين التبريزي، وفي صدره لظى يتوقد، فسأله عن كيفية إخماد لظى النفس وهدأة اضطرابها، فأجابه التبريزي بيقين العارفين أن ذلك لا يكون إلا بالاستغناء، فمن ترك ملك الدنيا وحاز حرية الروح.

لقد صاغ الباري لهذا الإنسان وجهاً جُبِل على الشموخ والارتفاع، لا على الانحناء والارتكاس، فمن أراد النَّفَس العزيز والعيش الكريم فليتدثر بالتعفف وليقنع بقسمة السماء، إذ أن لقمةً يابسة يغمسها المرء بعرق جبينه وكدّ يمينه لأشرف وأشهى من موائد حافلة تُقدّم على أطباق المِنَن وتُدفع أثمانها من كرامة الروح وديون المشاعر الخفية، فليس كل كفٍّ ممتدة بالعطاء كريمة، وليس كل آخذٍ بالهبات رابحاً ، وإذا تصفحت سِيَر المصطفى ﷺ وأصحابه الغرّ الميامين لوجدت أرواحهم تنفر من ذلّ المسألة وتهيم في رياض التعفف تنفيذاً للوصية النبوية الخالدة التي تحث على الزهد في الدنيا لنيل محبة الله، والزهد بما في أيدي الناس لنيل محبتهم وودهم.

وفي هجير هذه الحياة، لا يملك العبد أثمن من طُهر كرامته ولا أرفع من سياج عزته، فكم من يدٍ امتدت لغير الله فارتجفت تحت وطأة الامتنان، وكم من قلبٍ علق حباله بأيدي الخلائق فبات أسيراً في غيابات الانتظار يتجرع غصص الخيبة والخذلان. وما أبهى الإنسان حين يكتفي بما حَباه مولاه ويقنع بما ساقه إليه قدره، رافعاً حاجاته إلى باب الخالق وحده، فلا يريق ماء وجهه بسؤال، ولا يرهق روحه بتطلع مشفوق إلى ما في أيدي الآخرين، لعلمه بيقين أنك بقدر ما تنال من أرزاق الناس ينقص قدرك في عيونهم، وإذا تفضل عليك امرؤٌ بماله فقد طوّق عنقك بأغلالٍ من الصعب الفكاك منها.

إن الكرامة ليست رداءً خارجيّاً نرتديه في المحافل ونخلعه في الخلوات، بل هي الأنفاس الشريفة التي تسكن الصدور فإذا انقشعت ماتت حقيقة الإنسان، والحاجة تهين المرء عند من لا يعرفه وترقّق قدره عند من يعرفه. والتعفف ليس مظهراً من مظاهر الفقر أو العجز بل هو الغنى الأسمى، غنى النفس التي توقن أن الأرزاق مكتوبة في اللوح المحفوظ، وأن ما قُدّر لها سيأتيها طيعاً ولو تباعدت السبل، وما لم يُكتب لها فلن تناله ولو حيزت لها الأسباب. ومن أجل ذلك كان أصحاب الهمم العالية يسترون فاقتهم بجميل الصبر، ويجاهدون لواعج الحاجة بالرضا، ويستبدلون ذلّ السؤال بعزّ التوكل، مؤثرين مرارة الكفاح الشريف على حلو استجداء العواطف والأموال.

وليس المبتغى من هذا الاستغناء أن يتعالى الإنسان على بني جنسه كبراً وجفاءً، بل أن يحمي حماه ويصون حريته فلا يربط بهجته ووجوده بفضول عطايا الآخرين، فكلما تاهت النفس في ممتلكات الخلائق زادت فقراً وشتاتاً وإن ملكت الخزائن، وكلما نفضت كفيها من الدنا واستغنت بالله تربع صاحبها على عرش الملوك وإن كان لا يملك قُوت يومه، مصداقاً لقوله ﷺ إن عزّ المؤمن في استغنائه عن الناس.

وومضة الختام تنير الدرب بوضوح، لتؤكد أن تسعة أعشار الهيبة، والتقدير، والاحترام، تظل دائماً مطوية في سرّ الاستغناء.

كاتب رأي

المستشار سلطان عيد المرشدي

مستشار اسري ، صحفي ، مؤلف ، كاتب رأي ،عضو هيئة الصحفيين السعوديين ، عضو الجمعية السعودية للارشاد النفسي بجامعة الاميرة نورة ، مرخص من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام ، حاصل على وثيقة العمل الحر كاتب من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ،كاتب بصحيفة آخر اخبار الارض ، كاتب بمنصة همسة وصل ،عضو مجتمع المواهب السعوديين ، صدر لي كتاب آصِرة وكتاب غرفة ١٧ وكتاب خلف ابواب الفصول .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.